موضوع: طلعت سقيرق: محمود درويش وجدارية الغياب الأحد 09 أغسطس 2009, 7:00 pm
محمود درويش وجدارية الغياب
بقلم: طلعت سقيرق
كتبت " جدارية " محمود درويش في العام 1999 ، ونشرت طبعتها الأولى في العام 2000 ، تاركة للشاعر فسحة عشر سنوات من الحياة ، كان عليه أن يعبئ فيها الكثير من الزوايا الشعرية المتروكة ، فكتب ما كتب ، بشفافية وغزارة وحب مطلق .. فكانت الدواوين الأخيرة ، في سنوات حياته ( 13/3/1941- 9/8/2008 ) ، مؤشرا بل مغزى يضمر ويظهر الكثير من التفات الشاعر إلى الذات والأنا وصوت الموت إن لم نقل قدومه ، وكأنّ محمود درويش كان يعيش حالة شغف خاصة دفعته إلى اختصار الكثير ، واستحضار الكثير ، والاحتفاء المديد بالشعر .. ومن يقرأ ديوانه " لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي " 2009 ، يرى في القصائد المكتوبة قبل رحيله بزمن قصير ، احتشاد الفنيّ والغنائيّ ، خطوات الموت ، الالتفات بشدة إلى الذات ، سطوع نهج السيرة الشخصية، الابتعاد عن أيّ زوائد لا تخدم الفكرة ، التحديق الطويل الشديد بمعنى الشعر ومغزى الشاعرية في علاقتها مع الآخرين ..
تبدأ قصيدة الجدارية برمي النرد ذاته الذي نجده في " لاعب النرد"حيث :" هذا هو اسمكَ / قالت امرأةٌ / وغابت في الممرّ اللولبيّ" تسع مفردات غريبة بكلّ ما تحمله ، الإيحاء والرمز والتلميح ، تجريد الذات من اتساعها لتكون اسما ، الانكفاء إلى لعبة الحظ في أن ينجو أو لا ينجو/ صاحب هذا الاسم/ ، عدم التوسع في بناء صورة بلاغية يشعر درويش أنه لا حاجة لها هنا / جعل التفعيلة " متفاعلن " قابلة للطيّ والتوقف عندها مع مفردة " اللولبيّ " إن أردنا التسكين ، وقابلة للامتداد إذا حركنا كي نتواصل مع المقطع التالي " أرى السماء هناك في متناول الأيدي /ويحملني جناح حمامة بيضاء صوبَ / طفولة أخرى.. " .. كل هذا سيكون تأسيسا لما يأتي من شعر بعد الجدارية التي تبقى الأكثر إدهاشا وحضورا في الذهن ..
نتساءل في هذا المسار :هل حقا قال الطبيب الفرنسي لمحمود درويش بعد إجراء عملية القلب التي أفرزت قصيدة الجدارية ستعيش عشر سنوات أخرى ؟؟.. وهو ما كان حيث توفي بعد عشر سنوات تماما .. ليولد عند محمود درويش هذا النهم الذي لا يضاهى لكتابة الشعر وجعله الغاية والموئل والمراد في هذه السنوات العشر؟؟ هل يفجر توقع الموت كل هذا ؟؟.. وإذا كان الطبيب قد علم عن طريق العلم أنّ أمام قلب الشاعر عشر سنوات ليس إلا .. فكيف استطاع محمود درويش أن يكتب النبوءة الغريبة بيوم موته:
صدّقتُ أنـّي متّ يوم السبت ِ
قلت عليّ أن أوصي بشيء ما
فلم أعثر على شيء
وقلتُ عليّ أن أدعو صديقا ما
لأخبره بأني متّ
لكن لم أجد أحدا
وصادف أن يموت الشاعر مساء السبت في 9/8/2009 معلنا أنّ الشعراء قد يكتبون أحيانا توقعاتهم بشكل مذهل .. / تجدر الإشارة هنا إلى أنّ هذه الالتفاتة للروائي إلياس خوري وليست لي ، وقد جاءت في شهادة له عن درويش/ ..
التوقيع في الجدارية يبقي دائما فسحة لكلّ شيء " وكأنني قد مت قبل الآن / أعرف هذه الرؤيا وأعرف أنني / أمضي إلى ما لستُ أعرف ربما / مازلتُ حيا في مكان ما وأعرف/ ما أريدُ / سأصير يوما ما أريد " يجد المتلقي في هذا الانفتاح المتدفق الكثير من المدّ والجزر معا ، ليقابل في المرآة وجهه ، ووجه الشاعر ، ووجه كلّ من يخطر على باله .. الشعر مفتوح على الذات ، مشرع على كل الأبواب والاتجاهات .. نغمة الحزن الجارحة تربك لكنها لا تكسر قاعدة الانضباط في نغم حرية مطلقة .. إنها / جدارية درويش / نغم تستحضره ذكرى رحيله ، لتقول بأن هذا الشاعر كان دائم التغيير والتجديد ، وأنها فاصلة لا يمكن تجاوزها حين نتحدث عنها وعما كتب من بعدها ..فمحمود درويش في جداريته وضع خطوة تؤسس لخطوات وصلت بالشعر إلى صورته وتصوراته المدهشة..
لطفي الياسيني ورقستاني (ة)
عدد الرسائل: 521 العمر: 72 الإقامة: القدس ـ فلسطين المهنة: أستاذ جامعي وإعلامي متقاعد دكتوراة أدب عربي الهوايات: الشعر والرواية والقصة والنقد الأدبي والسياسي تاريخ التسجيل: 19/06/2008
موضوع: رد: عام على رحيل محمود درويش الإثنين 10 أغسطس 2009, 9:12 am
بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين تحية الاسلام
الاستاذ الفاضل الشاعر المعروفي تركي عامر رحم الله اخي الشاعر محمود درويش فهو معجزة لن تتكرر ولا اعتقد ان احدا من الشعراء ينوب مكانه جزاك الله جنة الفردوس الاعلى التي اعدت للمتقين نفع الله بك الاسلام والمسلمين وادامك ذخرا لمنبرنا الشامخ شموخ ارز لبنان ان كل مفردات ثقافتي لا تفيك حقك من الشكر والاجلال والتقدير لك مني عاطر التحية واطيب المنى دمت بحفظ المولى توقيع لطفي الياسيني عاش العراق .. عاشت المقاومة العراقية البطلة عاشت فلسطين حرة عربية من البحر الى النهر المجد والخلود لشهداء أمتنا الأبرار والله أكبر .. الله أكبر اللهم من المجاهدين العمل والإنابة ومنك التسديد والإصابة أن الموت على حبل العزه اشرف الاف المرات من العيش على بساط العار
_________________
تركي عامر حالم ورقستان
عدد الرسائل: 5344 العمر: 54 الإقامة: ورقستان المهنة: مجرم حبر الهوايات: معاقرة الحبر ومقارعة الورق تاريخ التسجيل: 22/02/2007
موضوع: رد: عام على رحيل محمود درويش الإثنين 10 أغسطس 2009, 9:26 am
اللقاء الأخير مع محمود درويش
بقلم: فيصل درّاج
في العام الأخير، كان بين الشاعر والمقرّبين منه تواطؤ نزيه، يطمئنُّون عن صحته باقتضاب، ويطمئنهم باختصار تخالطه السخرية. "لم يلتفت الكثيرون إلى السخرية في قصائدي"، كان يقول. كنا نتكلم عن الصحة ولا نكثر الحديث عن المرض، وكان يتحدث عن مكر الحياة ولا يتطرق إلى الموت: "خدعتني الحياة فانخدعت". وظلّت مشاريع كثيرة مؤجلة التحقق. كان محمود، في ساعات الصفاء الحزين، يذكر أشياء عن جمال الهدف ومحدودية الحياة، ويرى إلى جزيرة بعيدة لا يراها غيره.
فتح الباب مرحّباً كعادته. كانت السادسة مساء في الخامس والعشرين من تموز. الجو حار والشاعر يتأهّب لرحلة صعبة غامضة. "صاحبنا شاهين لم يحضر بعد". وأخذني، على غير عادته، إلى مكتبه، فهو أكثر إلفة. قال: كيف أحوال الدنيا؟، قلت: مع الخبرة نتكيّف مع وجوه الحياة المختلفة. قال: إن الحكمة تعالج الإخفاق. بعد عبثٍ بالكلمات قلتُ: الحكمة هي استئناس الخيبة. قال: الأدقّ أن نقول: إن الحكمة هي استقبال مصاعب الحياة ببشاشة، ثم: لو كان الصديق شاهين معنا لمنع عن العبارة إمكان الهرب. كان د. شاهين يسجّل، أحياناً، في دفتر صغير ما يسمعه من محمود درويش أثناء اللقاء – الحوار.
لم يكن "اقتصاد اللغة الحكيمة" أمراً طارئاً أثناء اللقاء مع درويش، منذ أن كتب "في حضرة الغياب". سألني وشاهين مرة: ما هي السلالة الكتابية التي ينتمي إليها كتابي هذا؟ قلت لا أرى له مرجعاً عربياً، فلا هو قريب من بلاغة طه حسين الأزهرية – الحديثة في كتاب "الأيام"، وليس له مع نثر جبران خليل جبران علاقة، ولم يكن يحب جبران كثيراً. فيه شيء من نثر أندره مالرو، قال: ليس بالضبط. واقع الأمر أن الشاعر كان مفتوناً، في سنواته الأخيرة، بشخصين هما والتر بنيامين ونيتشه، ويردّد بإعجاب تمازجه الغبطة بعض أقوالهما مثل: الحقيقة تضيق بالبراهين، كل حقبة تحلم بحقبة لاحقة، وكل كلمة نجيبة تنظر إلى غيرها، والتاريخ كائن هائل أعمى لا يضبط خطواته. كان حوارنا عن "الحكمة البشوشة" استئنافاً لحوار سبق. ولهذا قطع محمود الكلام وقال: هل انتبهت إلى تعريفي للقصيدة في أمسية بيت لحم؟: القصيدة رمية نرد على بقعة من ظلام، الحظ نصيب الموهبة إذ تجتهد. ولعل من يرجع إلى كتاب "في حضرة الغياب" يعثر، بلا مشقة، على هذا اللون من الكتابة، الذي دعوته بـ"الكلمة الجامعة" وعاد محمود، لاحقاً، وقال من الأفضل أن نقول "جوامع الكلم".
"تأخر شاهين"، تواطأ مع شروده وانزلق إلى شارع آخر. قال محمود ضاحكاً. كان الشرود صفة ملازمة للصديق الذي تأخر. حين نظرت إلى يميني وقعت عيني على "لسان العرب" لابن منظور، قال الشاعر: لا أستغني عنه البتّة، إنه مرجع عظيم الشأن، أو أنه "كتاب نفيس فخيم"، كما كان يقول صديقنا الراحل سعيد مراد، الذي تعرّفت اليه مع سعيد حورانية في موسكو. ثم أكمل: سعيد مراد أنيس كريم بشوش اختصاصه حل مشكلات الآخرين. في المناسبة أودّ مرة أن أذهب إلى دمشق لأزور زوجات الأربعة الراحلين: عبد الرحمن منيف وسعد الله ونوس وسعيد حورانية وسعيد مراد، في الخريف المقبل، ربما. استعاد مرة أخرى "استراتيجيا جوامع الكلم" وقال: الخريف فصل الحكمة الأنيقة، والشتاء فصل الحكمة المتداعية، والربيع فصل عابر مجازه الفراشة.
وتابع فرحاً: المجاز طريق مظلم إلى حكمة مضيئة. وقُرع الباب: صحا محمد شاهين من شروده. كان محمود يحب شاهين على رغم شروده، أو بسبب شروده ويرى فيه مغترباً، تصرّفت به الحياة ومنعته عن التصرّف بحياته كما يشتهي. أحضر شاهين بعض الفاكهة من مزرعته، حمل محمود حبة كمثرى وأعادها إلى الكيس، ثم حملها من جديد وقال: ماذا تشبه الكمثرى؟ في شبابي كنت أرى فيها صورة عن ثدي الأنثى الشابة. والآن؟ لا تزال الثمرة كما كانت، ولا تزال في أكثر من مكان أنثى تحمل الكمثرى، لم أعد شاباً، وأطلق ضحكة: كلنا لم نعد شباباً، فنحن على مستوى العمر جيران. سأله شاهين بحرص ومحبة: ما هي الأخبار وماذا ستفعل؟ الأخبار كما هي، سأسافر بعد غد إلى باريس ومنها إلى بوسطن. الرحلة مرهقة والعملية كالقصيدة: رمية نرد فوق بقعة مظلمة، ولي مع العمليات تاريخ طويل. وما هي أخبار الفيزا؟ حصلت عليها بعد أكثر من شهرين من السؤال، يبدو أنني إرهابي من دون أن أدري، وأن "الآخر" يعامل العرب باسترخاص كبير. غداً راحة، وبعد غد سفر يتلوه سفر، وبعد ذلك سنرى ما تأتي به الأيام.
كانت من عادة الشاعر، ذاك المبدع القلق المتطلّب النزيه الصادق المتواضع، أن يتصل بأصدقائه بعد كل أمسية شعرية متلفزة، يسألهم رأيهم في القصائد التي ألقاها وعن شكل الإلقاء ومدى تفاعل الجمهور معه. ومع أنه كان قد تحدث معنا، وتحدثنا معه، بعد أمسيته الأخيرة في بيت لحم، عاد وسأل: كيف كانت الأمسية؟ قلنا له: أمّا عن القصائد فقد مثّلت السهل الممتنع والمعقد البسيط والواضح الغامض... قال: وأنا كيف كنت؟ قلت له: جرت العادة أن تبدأ بإلقاء القصيدة مفرداً ثم تتكاثر، يخرج منك أكثر من شاعر، أحدهم يلقي والآخر يمثّل الإلقاء وثالث يبرهن عن المهارة ورابع يستثير الإعجاب وخامس يختصر محمود جميع الأزمنة. في هذه المرة بقيتَ مفرداً، شاعراً مطمئناً يلقي بإلفة قصائد أليفة، أمام نفسه وأصدقائه وأمه وأهل قريته وجمهور قصيدته، كما لو كنت تقول: أنا محمود درويش عمري سبعة وستون عاماً أقرأ القصائد التي أريد بالشكل الذي أريد أمام الجمهور الذي أريد، لا ضرورة للإضافة وتبيان المهارة، ولا ضرورة لما لا يدع الروح طليقة متحررة من الصنعة وطقوس الشطارة. قال بعد شرود: أخيراً أصبحت أنا، كما أرادتني الخبرة أن أكون، وكما أرادني الجمهور أن أكون أيضاً. إنها الحياة وتعرفان رأيي في الحياة: ورقة نصيب تربح بعد موت صاحبها.
إنه وقت القهوة، أظنك يا شاهين لم تعد تحب "القهوة الدرويشية"، كما تقول، وإلاّ لما تأخرت. سأله الأخير عن أمسيته الشعرية الأخيرة في جنوب فرنسا (نانت)، قال: فاقت ما توقعته: غروب وهدوء وموسيقى وجمهور أنيق ومدرّج روماني وشخصيات ثقافية غير عربية وعربية. تقدم مني في النهاية الناقد الشهير تودوروف وقال بالإنكليزية: "هذا سحريٌ"، لم أتوقع هذا. كان هناك الناقدان صبري حافظ ومحمد برّادة، وكانت الأمسية لمناسبة مرور ثلاثين عاماً على إنشاء دار النشر "أكت سود". وبدا محمود راضياً فرحاً، وكان من عادته أن يوزّع الفرح على أصدقائه، كما لو كان قد ظفر بجائزة نيابة عنهم جميعاً. لم يكن في ذاك الفرح ما يشي بالفخار والإعجاب الذاتي أو بالرضا الممتلئ الذي يأخذ شكل البداهة ولا بتوقعات "الشاعر الكبير"، بل كان فرحاً عفوياً تكسوه البراءة. وكثيراً ما بدا محمود، وهو يتحدّث عن أمسياته صبياً، حصل على جائزة غير متوقعة وابتهج، أو جاء بنتيجة مزهرة ولم يخذل أصحابه. ومع أنه كان في حياته اليومية متعدد الوجه والطور، فقد كان "نجاحه غير المتوقع" يجعل منه، كل مرة، إنساناً شفافاً، فيذكر فرِحاً التفاصيل ويشدّه الرضا البريء إلى الوقوف على تفاصيل التفاصيل. كان يعبّر عن موقفه من "النجاح اللامتوقّع" بصيغ كثيرة: أحلم بأن أصبح الشاعر الذي أريد، هناك كثيراً ما يجب قوله بشكل آخر، إنني لست راضياً عن نفسي ولا أعرف إن كنت سأرضى عنها ذات يوم، الرضا هو البلادة الباحثة عن منفعة، الإبداع قلق متجدد ومضيُّ الرضا، وأكثر ما أعجب من هؤلاء الذين ينشرون الرضا لمناسبة ولغير مناسبة. كان يشير دائماً إلى ت. س. إليوت الذي أصبح مرجعاً شعرياً في القرن العشرين وكتب من الشعر حوالى مئتي صفحة لا أكثر.
ولتعبير "غير المتوقع" عند محمود أكثر من قصة: حين زار كوريا، في العام الماضي، لمناسبة مؤتمر ثقافي وبدا الشخصية الأكثر أهمية وجاذبية قال: لم أتوقع هذا، لم أتوقع أن أكون معروفاً في كوريا وأن يقدّمني كبير شعرائها، هذه مسألة حظ وليست مسألة موهبة. وحين زار إيطاليا، حديثاً، والجو ممطر تواطأت معه "مباريات كرة القدم"، قال: لم أتوقع هذا الحضور، وحين ظفر باستقبال مهيب في مسرح "الأوديون" في باريس قبل عام، قال: "فاق عدد الحضور ما توقعت".
لم يكن محمود يتوقع إلا ما تقضي به روح رحبة عفيفة زاهدة أو أقرب إلى الزهد، روح شفافة تأمر بالتواضع، ترى إلى كرم الآخرين قبل أن تنصف موهبة متجدّدة دؤوبة مقاتلة جعلت من صاحبها أسطورة على قيد الحياة. قال مرة بعدما استمع إلى قصائده في دمشق جمهور "غير متوقع": هل أنا شاعر جدير بجمهور كبير أم أن الجمهور يظنني شاعراً كبيراً؟ ولهذا كان يكره الدعاية ويحتقر الإعلان، فالمبدع بما هو من دون زيادة أو نقصان، والمبدع هو الذي يتواصل مع أجداده من المبدعين، والمبدع هو الذي يحاور الإبداع في كل مكان. وهذا ما جعله قارئاً مواظباً: معجب هو بأوكتافيو باث، ومفتون بما قاله بول فاليري عن الشعر، وقارئ أكثر من مرة لبعض دراسات الألماني أدورنو، وعارف بالشعر الإسرائيلي ورموز الكبار، ومتابع لما يكتبه الفلسطينيون والعرب، كأن يثني على شعر السوري الكردي سليم بركات وقصائد نزيه أبو عفش، وأن يعبّر عن تقديره لأعمال الفلسطيني عز الدين المناصرة ومريد البرغوثي في طوره الأخير...
سألناه: لماذا أكثرت من نشر قصائدك الأخيرة ولم تنتظر إصدارها في كتاب كما تفعل عادة؟ قال: هذا أمر لم يأتِ بتخطيط، جاء هكذا لأنه جاء، لا يمكنك أن تضبط كل شيء على المسطرة، لا القصيدة ولا النشر ولا الحياة. وقال كعادته: هل هناك من كتب عربية جديدة جديرة بالقراءة؟
وكان محمود ناقداً ثقافياً وأدبياً بامتياز، يعطي أحكامه وتأتي صائبة: طه حسين أهم مثقف عربي في القرن العشرين، وعبد الله العروي يمثل استئنافاً وتجاوزاً له في آن واحد، الأول أكثر جرأة والثاني أعمق وأعقد ثقافة. ونجيب محفوظ بصير جلود أقرب إلى الندرة، أجمل أعماله "الحرافيش" ولا أحب كثيراً "أولاد حارتنا"، وأحب رواية هدى بركات "أهل الهوى"، ومن المؤسف أن لا تأتي رواية "دنيا" لعلوية صبح في مقدمة روايات جائزة "البوكر" بعد رواية بهاء طاهر، وجمانة حداد موهبة كبيرة ومبدعة حقيقية لو تحررت من بعض القيود، ورواية الغيطاني "آثار المحو" عمل فاتن وهو خليفة محفوظ، والياس خوري موهوب وأنيق الموهبة، وعباس بيضون شاعر عالي الثقافة، وإبراهيم الكوني ساحر في لغته العربية، وأمل دنقل شاعر خصب، وأحمد شوقي كلاسيكي عظيم، وإبراهيم طوقان أفضل شاعر فلسطيني قبل النكبة، وحسين البرغوثي لم يكتشف موهبته النثرية المدوّية إلا متأخراً، وأعمال صنع الله إبراهيم الأخيرة أفضل مما سبقها،... والجملة الأخيرة دائماً: كل مبدع على صورة أستاذه، وكل أستاذ أستاذٌ إلى حين...
بعد القهوة وأحاديث متناثرة عن الكمثرى والمدرّج الروماني ولغة الكوني وسليم بركات وجمالية الرمان في الكروم الفلسطينية المطاردة، جاء طبيب صديق مشهود له بالكفاءة والمعرفة قال: العملية خطرة لكنها مضمونة النجاح، هناك كل ما يلزم لتكون ناجحة، لا لزوم للقلق أو ما يشبه القلق. ما كنا نقوله بكلمات تشجيعية سريعة ملتوية القوام، قاله الطبيب بلغة علمية ـ أخلاقية صارمة. لم نقل شيئاً ومسح محمود وجهه بمنديل ورقي وقال: "إنشاء الله".
انصرف الطبيب مخلّفاً وراءه القليل من الطمأنينة والكثير من الصمت. هذا موقف لا يختلف عن الطائفية، قال: "طائفية في المدن وطائفية في البلدات الصغيرة، وطائفية في العراق ومصر ولبنان، وطائفية خاصة بالمثقفين... لا شيء يدعو إلى الأمل، وأحوال فلسطين لا ترضي العقل ولا تسرّ القلب، وأنا متشائم وأرفض تصدير الآمال الزائفة". نظرنا إلى بعضنا، كانت الساعة تقترب من التاسعة، ونطقنا بكلمات أشبه بالغمغمات، وبدا محمود في حال حسنة، ووعد شاهين بحفلة عامرة مقبلة، وتابع التواطؤ الكلامي اجتهاده، وغلبت النظرات الكلمات، وبقي قاموس "لسان العرب" في مكانه، ولم يلق أي منا نظرة على المكتب أو الصالون أو المطبخ الذي جثمت فيه حبات كمثرى ذكّرت الشاعر بشبابه البعيد. بدا اللقاء شبيهاً باللقاءات السابقة، وكان غير ذلك.
أوصلنا محمود إلى المصعد، تواعدنا على لقاء قريب أكيد، رفع يده مودعاً، وغطّت وجهه ابتسامة أقرب إلى السؤال.
عدد الرسائل: 154 العمر: 38 الإقامة: حرفيش المهنة: أعمال حرة الهوايات: أدب، ثقافة، علوم، حاسوب تاريخ التسجيل: 08/07/2009
موضوع: رد: عام على رحيل محمود درويش الإثنين 10 أغسطس 2009, 7:37 pm
الاستاذ الشاعر تركي عامر المحترم
في الحقيقه انا متابع لمنتدى ورقستان ليلا ونهارا واراقب عن كثب لكل جديد في المنتدى والحق يقال ارى انك تبذل من المجهود الكبير في المنتدى ليس فقط من اجل معاقرتك للحبر ومقراعتك للورق ، بل من اجل تذويق الورقستانين وزوار المنتدى الكرام ، بطعم خبز الكلمة الراقيه . وهنا بالتحديد بهذه الزاويه ، لمسنا مجهودك المتواصل لاحياء ذكرى الشاعر العربي الكبير محمود درويش ، وراينا انك تغوص في بحار المنتديات والمواقع والصحافه على انواعها لتنقل لنا ما كتب عن المرحوم الشاعر محمود درويش . استاذي الكريم باسمي وباسم الورقستانين جميعا نشكرك جزيل الشكر وادعو الله ان يجزيك خيرا وصحة وعافيه، ويرقيك الى اعلى مقامات الفخر والاعتزاز
تركي عامر حالم ورقستان
عدد الرسائل: 5344 العمر: 54 الإقامة: ورقستان المهنة: مجرم حبر الهوايات: معاقرة الحبر ومقارعة الورق تاريخ التسجيل: 22/02/2007
موضوع: محمود درويش: ذاهبون إلى القصيدة الثلاثاء 11 أغسطس 2009, 7:28 am
محمود درويش ذاهبون إلى القصيدة (إلى بابلو نيرودا)
يتسلّقُ الجيتارَ: ستُّ سنابل تأتي من الأسرارِ. تنهمرُ الجهاتُ عليه – منه. وهكذا تأتي الخلاصةُ: إنّ خمس أنامل تحمي المحيطَ من الجفاف. ويغضبُ الجيتارُ: ستُّ زوابعٍ تأتي من الصمتِ المهدِّدِ. هكذا تأتي الخلاصة: إنّ خمس أصابع تحمي الصباح من التردّدِ.
إنّ نيرودا يُغنّي بين الفراشة واللهيب يسافرُ الشعراءُ بين السيف والدم فوق حدّ السيف ينتظرون وردتهم يُحبّون القصيدة حيث تفلت من هواجسهم وينتحرون في أوجِ القصيدةْ الموتُ يسكنهم ولا يدرون... ينفجرون مثل شقائق النعمان في يومٍ ربيعيّ قصيرْ.
بين القصيدة والقصيدة يطردون البحرَ... ينتقمون من زَبَدٍ يفرّ من الأصابعِ يذهبون إلى الشوارع عاجزين ومُتعبين كأيّ بوليس يفتّشُ عن علاقات مُحرّمة ليكتبَ أيّ شيء ضدّ أي شيء... يكذبون على النساء... يزوّرون الحبرَ والقبلاتِ... عاديّون عاديّون ما بين القصيدة والقصيدة يسأمون الشّعر والفجر المبكّر و... الوطن.
... وكما يموت النّسرُ ينطلقونَ نيرودا! جَمَعْتَ لنا الندى من كلّ زنبقة وجمجمةٍ شربتَ هدير هذا البحر نخبَ يدٍ تقاومُ في حقول الموزِ - والأصدافُ بين يديكَ - كان الشرقُ يغسل وجههُ في لهجةٍ صينيّةٍ والحربُ تجعل كلّ شيء واضحًا كالخبزِ هل يتمهّلُ الزلزال أمسيةً لنخرجَ من قواميس اللغات إلى ضواحي الصوت؟
فلاحوكَ صيّادوكَ جلادوكَ يحتشدون فوق أصابع الجيتار... أحصنةٌ تدور مع الرياح السودِ إمرأةٌ تهاجمها بأغنيةٍ، وتسقطُ في البنفسجِ تستطيعُ وتستطيعُ وتستطيعْ. دمُنا على المحراثِ نيرودا! تُغنّي أمْ تروّض غابةً تمشي على الإيقاع أم يتجوّل البركانُ فيكَ وحارسُ البستان يختزن الأفاعي خلفَ صوتكَ. إنّ جمهوريةً أخرى تُعيد قصيدة أخرى إلى أفراحها... لكن شطآن القصيدة لا تُدجّنها البحيرةُ - كان فيدريكو يموت على «سياجٍ يحجبُ القمر» الحبيبُ يموتُ. أجراسٌ تدقّ وتختفي في القلبِ... كان الموتُ يجعلُ كلّ شيء واضحًا كالعشبِ هل يتمهّل الزلزال أمسيةً لنجمع عن خناجرهم دمَ الأطفال والشعراءِ؟
كان الليل أوضحَ من خطى الشهداءِ لكنّ المياه تسيلُ من وَتَرٍ يقاومُ صخرةً صمّاء... نيرودا! سننتصرُ القيود لنا - سننتصرُ النشيدُ لنا - سننتصرُ الضروعُ مليئةٌ بالبرقِ - ننتصرُ الضلوع منازلٌ للعشق - ننتصرُ الجيادُ السودُ تهبط من مكانٍ ما - سننتصرُ النهايةُ تنتهي هذا هو الجيتارُ أرضٌ في تمامِ الصوت تزخر بالوضوح من الوريد إلى الوريد... وها همُ الشعراءُ في أوجِ القصيدةِ ذاهبون إلى القصيدةِ في شباكِ الصيّدِ يولدُ فوجُ ضبّاط جديدٌ. سورةُ الموتى تزيدُ. وعاملُ التعدين يدخل عامه السبعين. والشعراء يختارون هاجسهمْ وينتحرونَ خلف البرلمانِ... منذ البدايةِ: إنّ هذا المسرحَ الخالي من الجمهور والجدران ينتظر البشارةَ في الأغاني.
ها نحنُ نتّفقُ: الغزالةُ لا تحبّ الشعرَ والشعراء حقلٌ أزرقٌ لم يُفتَرعْ إلا بأقدام الغزالةْ. ها نحن نختلفُ: الجبالُ بعيدةٌ... نتسلّقُ الجيتارَ. ستّ زنابقٍ تأتي من الفحم. الجهاتُ تعودُ من ساحات غربتها وتأوي للنوافذِ. إنّ خمس أصابع تحمي الفضاء من البقاء على سطوح البرلمانِ. وإنّ نيرودا يغنّي. ها نحن نختلفُ - اتفقنا ها نحن نتّفقُ - اختلفنا.
للجبالِ يدٌ هي المطرُ. القصيدة ملء هذا المسرح الخالي من الجدرانِ للأرضِ ارتعاشاتٌ هي الدمُ. حين ينهمرُ الرصاص عليكَ – منك ومن لصوص الليلِ تصرخُ في وضوحْ إنّ الجروح هي الجروحْ. لكنّ هذا البحر أزرقْ لكنّ هذا الحقل أخضرْ ودم المغنّي أبيضٌ فوق الشوارعِ والأصابعِ. عاملُ التعدين يدخل عامه السبعين... يقرأ أبجديّة قلبه المشويّ فوق الفحم فحمًا... والرغيفُ غزالةٌ تعدو وتعدو في القيودِ.. وفوج ضبّاط جديدٌ يُتقن السهر الطويلَ على حدود الخبزِ... قد مرّوا «جماجم من رصاص» مرةً أخرى... ونيرودا يموتُ.
"خيولهم سوداء". نيرودا يموتُ على قصيدته... فتذهب في الفضاء... وعاملُ التعدين يقرأ صفحةً أخرى ويسقط في البنفسجِ يغضبُ الجيتارُ ستُّ زاوبعٍ تأتي من الصمت المهدِّدِ إن خمس أصابعٍ تحمي الصباحَ من التردّدِ.
كان نيرودا يغنّي ها نحن نتّفقُ: الغزالةُ بين أيدينا. دمُ الشعراء محراثٌ ويحتفلُ الترابْ. ها نحن نتّفقُ: الغزالةُ بين أيدينا. لأجلك يرجعُ البطّ المخيِّمُ في جنوب البحرِ نيرودا! لأجلكَ نكتفي بالعمر أغنيةً وكأسًا من سحاب. مدنٌ تنام على السلالم في انتظاركَ. آه نيرودا. شواطئ هذه الأرض الصغيرة - عبر صوتك - قبلةٌ مفتوحةٌ للنورس الباكي وللبجع الذي يتعلّم الرقص المميتَ لكَ القرنفلُ. شهرُ أيارَ. البديلُ الاشتراكيُّ. المدارسُ. أبجديّةُ عامل الميناء. تمثال الصدى والعطرِ. أوّل خطوة بعد الزنازين. الأغاني في حوانيت الفواكهِ.
آه نيرودا! حدودُ الأرض في ليمون صوتكَ ملعبُ الكرةِ، المظاهرةُ، احتفالُ الذاهبين إلى الجحيم. لك اعترافاتُ النساء العاشقاتِ. لك النشيدُ الأزرقُ... الحريةُ الزرقاءُ... أبعدُ قريةٍ في الأرض لكنْ / بعد موتك عبر موتك قرب موتكَ كلُّ فجرٍ كان ينتظرُ انطفاءك كي يضيءْ وكلُّ صوت كان ينتظر اختفاءك كي يجيءْ. ها نحن نتّفقُ: الغزالةُ لا تحبّ الشعرَ في الزمن الرديءْ.
(نشر الراحل الكبير هذه القصيدة في العدد 46 من مجلة "شؤون فلسطينية" عام 1975، وحالت الحرب في لبنان دون توزيع ذلك العدد، وبقيت القصيدة مجهولة أو شبه مجهولة. ولم يضمّنها الشاعر في دواوينه اللاحقة التي تعاقبت حاملة سماتها الخاصة. ولعل فرادة هذه القصيدة تكمن في انتمائها إلى بدايات المرحلة الجديدة التي كان يخوضها الشاعر مشرعًا نوافذ الشعر على آفاق متعدّدة، هي آفاق الذات الإنسانية والغنائية العالية واللغة المحدثة)
عدد الرسائل: 5344 العمر: 54 الإقامة: ورقستان المهنة: مجرم حبر الهوايات: معاقرة الحبر ومقارعة الورق تاريخ التسجيل: 22/02/2007
موضوع: لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي الخميس 13 أغسطس 2009, 4:19 pm
لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي
محمود درويش
يقولُ لها، وهما ينظران إلى وردةٍ تجرحُ الحائطَ: اقتربَ الموتُ منِّي قليلاً فقلتُ له: كان ليلي طويلاً فلا تحجب الشمسَ عنّي! وأهديتُهُ وردةً مثل تلك... فأدَّى تحِّيَته العسكرية للغيبِ، ثم استدارَ وقالَ: إذا ما أردتك يومًا وجدُتك فاذهبْ! ذهبتُ... أنا قادمٌ من هناك سمعتُ هسيسَ القيامةَِ، لكنني لم أكن جاهزًا لطقوس التناسخ بعد، فقد يُنشد الذئب أغنيتي شامخًا وأنا واقفٌ، قرب نفسي، على أربعٍ هل يصدقني أحد إن صرختُ هناك: أنا لا أنا وأنا لا هُو؟ لم تلدني الذئابُ ولا الخيل... إني خُلقتُ على صورةِ الله ثمّ مُسختُ إلى كائنٍ لُغويّ وسمّيت آلهتي واحدًا واحدًا، هل يصدِّقني أحد إن صرختُ هناك: أنا ابن أبي، وابن أمي... ونفسي
وقالت: أفي مثل هذا النهار الفتيّ الوسيم تفكِّر في تبِِعات القيامةِ؟ قال: إذن، حدِّثيني عن الزمن الذهبي القديم فهل كنتُ طفلاً كما تدّعي أمهاتي الكثيرات؟ هل كان وجهي دليل الملائكةِ الطيّبين إلى الله، لا أتذكّر... لا أتذكّر أني فرحتُ بغير النجاة من الموت! من قال: حيث تكون الطفولةُ تغتسل الأبدية في النهر... زرقاء؟ فلتأخذيني إلى النهر/
قالت: سيأتي إلى ليلك النهر حين أضُمُّك يأتي إلى ليلك النهر/
أين أنا الآن؟ لو لم أرَ الشمسَ شمسينِ بين يديكِ، لصدّقتُ أنكِ إحدى صفات الخيال المروَّض لولا هبوبُ الفراشات من فجر غمّازتيك لصدّقتُ أنّي أناديكِ باسمك ليس المكان البعيد هو اللامكان وأنتِ تقولين: "لا تسكن اسمك" "لا تهجر اسمك"!
ها نحن نروي ونروي بسرديّة لا غنائيةٍ سيرةَ الحالمين، ونسخرُ مما يحلّ بنا حين نقرأ أبراجَنا، بينما يتطفّلُ عابر دربٍ ويسأل: أين انا؟ فنطيل التأمّل في شجر الجوْز من حولنا، ونقول له: ههنا. ههنا. ونعود إلى فكرة الأبدية!
ليس المكان هو الفخ... مقهى صغير على طرف الشارعِ الشارعِ الواسع الشارع المتسارع مثل القطارات تنقل سكانها من مكان لآخر... مقهى صغير على طرف الشارع الشارع الواسع الأسطوانة لا تتوقف- قالت له قال: بعد دقائق نخرج من ركننا إلى الشارع الواسع المتسارع مثل القطارات، ثم يجيء غريبان، مثلي ومثلك، قد يكملان الحديثَ عن الفنّ، عن شهواتِ بيكاسو ودالي وأوجاعِ فان غوخ والآخرين... وعمّا سيبقى من الحب بعد الإجازة، قد يسألان: أفي وُسْع ذاكرةٍ أن تعيد إلى جسدٍ شحنةَ الكهرباء؟ وهل نستطيع استعادةَ إحساسنا بالرطوبة والملح في أوَّل البحر بعد الرجوع من الصيف؟/
ليس المكان هو الفخ في وسعنا أن نقول: لنا شارعٌ ههُنا وبريدٌ وبائعُ خبزٍ ومغسلةٌ للثياب وحانوتُ تبغٍ وخمر وركنٌ صغير ورائحةٌ تتذكّر/
ها نحنُ نشربُ قهوتَنا بهدوءِ أميرينِ لا يملكان الطواويس، أنتِ أميرةُ نفسِك سلطانةُ البر والبحر، من أخمص القدمين إلى حيرةِ الريحِ في خصلة الشعر. في ضوء يأسكِ من عودة الأمسِ تستنطقين حياةً بديهيةً. وبلا حرسٍ تحرسين ممالكَ سريَّةً. وأنا، في ضيافةِ هذا النهار، أميرٌ على حصَّتي من رصيفِ الخريفِ. وأنسى مَن المُتّكلِّمُ فينا لفرطِ التشابه بين الغيابِ وبين الإيابِ إذا اجتمعا في نواحي الكمنجات لا أتذكّر قلبي إلاّ إذا شقَّهُ الحبُّ نصفين، أو جفَّ من عطش الحب، أو تركتني على ضفة النهر إحدى صفاتك! ضيفًا على لحظة عابرةْ أتشبّثُ بالصحو، لا أمسَ حولي وحولك لا ذاكرة، فلتكن مَعْنوياتُنا عالية
عصافيرُ زرقاءُ، حمراءُ، صفراءُ، ترتشف الماءَ من غيمةٍ تتباطأ حين تُطلُّ على كتفيكِ. وهذا النهار شفيفٌ خفيفٌ بهيٌّ شهيٌّ، رضيٌّ بزوّاره، أنثوّيٌّ، بريءٌ جريءٌ كزيتون عينيك. لا شيءَ يبتعد اليوم ما دام هذا النهارُ يرحِّب بي، ههنا يُولَدُ الحبُّ والرغبةُ التوأمان، ونولدُ... ماذا أريد من الأمس؟ ماذا أريد من الغد؟ ما دام لي حاضرٌ يافعٌ أستطيع زيارةَ نفسي، ذهابًا إيابًا، كأني كأني. وما دام لي حاضرٌ أستطيعُ صناعةَ أمسي كما أشتهي، لا كما كان. إني كأني. وما دام لي حاضرٌ أستطيع اشتقاقَ غدي من سماءٍ تحنُّ إلى الأرض ما بين حربٍ وحرب، وإني لأني! تقول: كأنكَ تكتبُ شعرًا يقول: أُتابع إيقاعَ دورتي الدمويةِ في لغة الشعراء. أنا، مثلاً، لم أُحبَّ فتاةً معينةً عندما قلتُ إني أحبُّ فتاةً، ولكنني قد تخيَّلتُها: ذاتَ عينين لوزيتين، وشَعرٍ كنهر السواد يسيل على الكتفين، ورُمَّانتين على طبق مرمريّ. تخيلتها لا لشيء، ولكن لأُسمعها شعرَ بابلو نيرودا، كأني أنا هو، فالشعر كالوهم/
ليس المكان هو الفخّ لم أنتظرْكِ لتنتظريني، فمثلُك منْ يأمر الحُلْم بالانتظارِ الطويلِ على ركبتيها. خذيني إلى اللامكان المُعَدِّ لأمثالنا الضالعين بتأويل ذاكرة الغيم بين الربيع وبين الخريف، وأمّا الربيعُ، فما يكتب الشعراء إذا نجحوا في التقاط المكان السريع بصُنّارة الكلمات. وأما الخريف، فما نحن فيه من الاهتداء برائحة الشجر العاطفيّ وبحث الغريبة في كلمات الغريب عن اسم الحنين... وعَن شَبهٍ غائمٍ في ثنائية الشعر والنثر. لا النثرُ نثرٌ ولا الشعرُ شعرٌ إذا ما همستِ: أحبكَ! أو قالت امرأةٌ في القطار لشخصٍ غريبٍ، أعنِّي على نحلةٍ بين نهديّ... أو قال شخصٌ كسولٌ لإسكندر الإمبراطور: لا تحجب الشمسَ عني. ولكنني إذ أُغنِّي، أُغنّي لكي أُغريَ الموت بالموت/
ليس المكانُ هو الفخ ما دمتِ تبتسمين ولا تأبهين بطول الطريق... خذيني كما تشتهين يدًا بيدٍ، أو صدىً للصدى، أو سدى. لا أريدُ لهذي القصيدة أن تنتهي أبدًا لا أريد لها هدفًا واضحًا لا أريد لها أن تكون خريطةَ منفى ولا بلدًا لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي بالختام السعيد، ولا بالردى أريدُ لها أن تكون كما تشتهي أن تكون: قصيدةَ غيري. قصيدةَ ضدي. قصيدةَ ندِّي... أريد لها أن تكونَ صلاةَ أخي وعدوّي. كأن المخاطبَ فيها أنا الغائبُ المتكلم فيها. كأنَّ الصدى جسدي. وكأني أنا أنتِ، أو غيرُنا. وكأني أنا آخري!
كي أوسِّعَ هذا المدى كان لا بُدَّ لي: - من سنونوة ثانية - وخروج على القافية - وانتباه إلى سعة الهاويةْ
لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي لا أريد لهذا النهار الخريفي أن ينتهي دون أن نتأكَّد من صحة الأبدية. في وسعنا أن نحبَّ، وفي وسعنا أن نتخيّل أنّا نحبُّ لكي نُرجئَ الانتحار، إذا كان لا بدَّ منه، إلى موعد آخر... لن نموتَ هنا الآن، في مثل هذا النهار الزفافيّ، فامتلئي بيقين الظهيرة، وامتلئي واملئيني بنور البصيرة/
ينبئني هذا النهارُ الخريفيُّ أنّا سنمشي على طرق لم يطأها غريبان قبلي وقبلَك إلا ليحترقا في البخور الإلهي. ينبئني أننا سوف نسمعُ طيرًا تغني على قدر حاجتنا للغناء... خفيفًا خفيَّ التباريح، لا رعويًّا ولا وطنيًّا فلا نتذكّر شيئًا فقدناه
إن الزمان هو الفخ قالت: إلى أين تأخذني؟ قال: لو كنتِ أصغرَ من رحلتي هذه، لأكتفيتُُ بتحوير آخر فصل من المشهد الهوميري... وقلتُ:
سريرُك سرّي وسرُّك، ماضيك يأتي غدًا على نجمة لا تصيب الندى بأذى، أنام وتستيقظين فلا أنت مُلتفَّةٌ بذراعي، ولا أنا زُنّار خصرك، لن تعرفيني لأن الزمان يُشيخ الصدى وما زلتُ أمشي... وأمشي وما زلتِ تنتظرين بريدَ المدى أنا هو، لا تُغلقي بابَ بيتك ولا ترجعيني إلى البحر، يا امرأتي، زبدا أنا هُوَ، منْ كان عبدًا لمسقط رأسك... أو سيّدا أنا هو بين يديك كما خلَقتْني يداكِ، ولم أتزوَّج سواكِ ولم أُشفَ منك، ومن نُدبتي ابدًا وقد راودتني آلهاتُ كل البحار سدى أنا هو، من تفرطين له الوقت في كُرة الصوف، ضلَّ الطريقَ إلى البيت... ثم اهتدى سريرُك، ذاك المخبّأُ في جذع زيتونة هو سرِّي وسرُّك... قالت له: قد تزوَّجَني يا غريبُ غريبٌ سواك فلا جذع زيتونة ههنا أو سرير، لأن الزمان هو الفخ/
ينبئُني ضوءُ هذا النهار الخريفيّ أني رأيتكِ من قبل، تمشين حافيةَ القدمين على لغتي، قلت: سيري ببطءٍ على العشب، سيري ببطءٍ لكي يتنفَّسَ منك ويخضرّ. والوقت منشغلٌ عنك...سيري ببطءٍ لأُمسك حلمي بكلتا يديّ. رأيتك من قبلُ حنطيّةً كأغاني الحصاد وقد دلّكتها السنابل، سمراءَ من سهر الليالي، بيضاءَ من فرط ما ضحك الماءُ حين اقتربتِ من النبع. سيري ببطءٍ، فأنّى مشيتِ ترعرعت الذكرياتُ حقولاً من الهندباء، رأيتك من قبلُ في الزمن الرعويّ على قدر ليل الغريب تنامُ الغريبةُ/
فاحتجبي، واظهري، والعبي، واكسري قدري بيديك الحريريتين، ولا تخبريني إلى أين تمضين بي في دهاليز سرِّك، لا تخبريني إلى أين تمضين بعدي إلى أين أذهبُ بعدَك. لا بعد بعدك. ولنعتنِ الآن بالوردة الليلكية ولتُكمل الأبديةُ أشغالَنا دوننا، إن أطلنا الوقوف على النهر أو لم نُطل. سوف نحيا بقية هذا النهار. سنحيا ونحيا. وفي الليلِ، إن هبط الليل، حين تنامين فيّ كروحي، سأصحو بطيئًا على وَقْع حلم قديم، سأصحو وأكتب مرثيتي. هادئًا هادئًا. وأرى كيف عشتُ طويلاً على الجسر قرب القيامة، وحدي وحرًّا. فإن أعجبتْني مرثيتي دون وزن وقافية نمت فيها ومتُّ وإلاّ تقمصت شخصيةَ الغجريّ المهاجر: جيتارتي فرسي في الطريق الذي لا يؤدي إلى أيّ أندلسِ سوف أرضى بحظّ الطيورِ وحريةِ الريح. قلبي الجريح هو الكون. والكون قلبي الفسيح. تعالي معي لنزورَ الحياةَ، ونذهبَ حيث أقمنا خيامًا من السّرو والخيزران على ساحل الأبدية. إن الحياة هي اسم كبير لنصر صغير على موتنا. والحياة هي اسمك يطفو هلالاً من اللازورد على العدم الأبيض، استيقظي وانهضي، لن نموتَ هنا الآن، فالموت حادثةٌ وقعت في بداية هذي القصيدة، حيث التقيتُ بموت صغير وأهديته وردة، فانحنى باحترام وقال: إذا ما أردتك يومًا وجدتك/
فلنتدرب على حُبِّ أشياءٍ ليست لنا، ولنا... لو نظرنا إليها معًا من علٍ كسقوط الثلوج على جبلٍ سيغنّي لك الغجري، كما لم يغنِّ: أقولُ لها لن أُبدِّلَ أوتارَ جيتارتي لن أبدّلها لن أحمّلها فوق طاقتها لن أحمّلها لن أقولَ لها غير ما تشتهي أن أقول لها حملتني لأحملها لن أبدِّل أوتارَها لن أبدّلَها
لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي لا أريد لهذا النهار الخريفي أن ينتهي
_________________
هيام أبو الزلف ورقستاني (ة)
عدد الرسائل: 238 العمر: 49 الإقامة: دالية الكرمل المهنة: معلمة الهوايات: شعر - مطالعة - إنترنيت تاريخ التسجيل: 25/05/2009
موضوع: رد: عام على رحيل محمود درويش الخميس 13 أغسطس 2009, 5:38 pm
لست شغوفة بالقصائد الطويلة، لكن حين يكون محمود درويش كاتبها فإني أقرأها مثنى وثلاث ورباع تستوقفني كل عبارة، تدهشني هذه الومضات، هذه الإدراكات الشعورية والفلسفية. جميع ما يدور في رأسنا من أفكار، كل ما يدور على مدى وجداننا من خلجات، نجدها في أعمال محمود درويش. وكأن إبداعاته موسوعة للنفس البشرية الحالمة المضطربة القلقة المحبة. إن أعماله هي "نحن" في كل حالاتنا وهواجسنا. يكتب بغنائية فريدة، ولكن أناه شاء أم أبى هي أنانا الجماعية... وأخيرا وليس آخرًا، بودي توجيه سؤال إلى من كانوا مقربين من محمود درويش: هل كان شاعرنا يؤمن بالتقمص؟ في هذه القصيدة يتكلم عن مجموع أمهات، وليس عن أم واحدة وفي قصيدة أخرى يتكلم عن جناح حمامة بيضاء يحمله إلى طفولة أخرى فهل هذا الشاعر النبوئي كان يؤمن بالتقمص؟
ماري دانيال حتر مشرف (ة)
عدد الرسائل: 537 العمر: 47 الإقامة: فلسطين ـ لبنان ـ الإمارات المهنة: إدارية الهوايات: القراءة تاريخ التسجيل: 14/11/2007
موضوع: رد: عام على رحيل محمود درويش الخميس 27 أغسطس 2009, 7:35 am
ما كتبه درويش كان ثورة في الشعر وليس محض شعر في الثورة!
بقلم الكاتب الفلسطيني: لطفي خلف- ديوان العرب
أن تكتب من أجل قضية، معنى ذلك أن تعطيها جماليات إضافية لتثري وتغني روحها وتبرز وتجلي جوانب مظلمة فيها، لم تكن لتظهركما تريد أنت قبل أن يرفع من رصيد شهرتها قلمك، الذي ظهر بدافع غريزي، أو لأن بعوض الغيرة والخوف عليها، قد لدغ لديك جلد الإحساس والاندفاع.
أكاديميون كثيرون اعتبروا أن من يكتب للثورة وفي مناسبات الثورة يعد شاعرا سياسيا، دماء أشعاره تحتوي على هيموجلوبين السياسة فقط، وشعره يتنفس برئة السياسيين أو الوطنيين!
هكذا كان درويش أيضا من وجهة نظر رجل الشارع البسيط أو في نظرنا نحن عندما كنا في بدايات المرحلة الدراسية الأولى، حينما قرأنا وسمعنا قصائدة الوطنية وكانت تشنف آذاننا وتجعلنا نطيرفوق بساط الحماسة والانفعال والغليان.
لم نكن نقادا في تلك الآونة طبعا، ولم نكن في المستوى المطلوب لغربلة أغراض شعر درويش أو فرزها والوصول إلى صلب ما نطرحه في هذا النص. لم يكتب أي شاعر حتى ولو انخرط في صفوف ثورة بلاده شعرا وطنيا أو سياسيا أكثر صدقا وانتماء وتمسكا بمبادئ وثوابت الثورة مما كتب درويش، ولم يذب شاعر ما وينصهر في أتون المعاناة و "يركب حصان تجربة" الثورة أكثر من درويش، ومع كل هذا لم يكن درويش متلهفا لذكر الخطاب السياسي في شعره ولو أن الزيت السياسي قد طفا على سطح أشعاره، فهو" ليس محررا حربيا للقضية الفلسطينية " معتبرا نفسه شاعرا شاملا يكتب في كل الأغراض الشعرية وفي كل أمر يثير اهتمامه ويشد أحاسيسه، يكتب ويكتب دون توقف، ولا ينشر أكثر من ثلثي ما يكتب، يعيد كتابة قصائده أكثر من مرة، فمنها ما يؤول مصيره للنشر ومنها ما يؤول إلى المحرقة! المهم أنه إنسان ويكتب في كل المواضيع التي تتناول مشاكل الإنسان وهمومه وقضاياه وعلاقته بالطبيعة والكون،وذهب أبعد من ذلك وكأنه يكتب في الميتافيزيقا بأسلوب فلسفي ذي نكهة مميزة، تجلى من خلالها عربيا وكونيا، ليختزل مفردات أو جملا طويلة في مفردة أو اثنتين، فكان لهذا التكثيف والاختزال الوقع الكبير على المتلقي، واللهفة للبحث عن المزيد من أجل قراءة ما استجد على الساحة الأدبية من كتابات هذا الشاعر.
ليس ما كتبه درويش شعرا في القضية والثورة من أجل أن ينال لقب شاعر الوطن والقضية، وينال أوسمة الثورة، ويصبح بالتالي رمزا للثورة فحسب، إنما فجر ثورة في الشعر فخلق للشعر روحا وطعما، وصلب المتلقي على خشبة الانتظار، ليشعر بلبن الكلام يسيل على شفة المتعطش منا للمطالعة، وتجعلنا نقف على رؤوس أصابع التفاؤل كلما سمعنا خبرا عابرا عن نيته طرح قصيدة جديدة في صحيفة أو مجلة أو على شاشة إحدى الفضائيات.
درويش الذي عجن صلصال شعره بماء النكبات الفلسطينية المتتالية، لم ترفعه القضية الفلسطينية وحدها إلى المستوى الكوني الذي وصل إليه، إنما النفق الذي حفره بعضلاته الإبداعية تحت رمال مفردات اللغة واقتحامه نار الفكر ودروبه الوعرة بسهولة ويسر وعن طيب خاطر، كونه موهوبا من الدرجة الأولى وعاشقا للثقافة والكتاب والشعر، وجهده الخاص وثقافته العالية وفلسفته في الحياة والطبيعة وقضايا الإنسان، هو ما جعله يشعل ثورة حقيقية في الشعر، لم تخفت نيرانها ولم يهدأ أوارها حتى بعد غياب من أشعلها!