بكأس الشراب المرصّع باللازرود انتظرها، على بركة الماء حول المساء وزهر الكولونيا انتظرها، بصبر الحصان المعدّ لمنحدرات الجبال انتظرها، بسبع وسائد محشوة بالسحاب الخفيف انتظرها، بنار البخور النسائي ملء المكان انتظرها، برائحة الصندل الذكرية حول ظهور الخيول انتظرها، ولا تتعجل فإن اقبلت بعد موعدها فانتظرها، وإن أقبلت قبل موعدها فانتظرها، ولا تُجفل الطير فوق جدائلها وانتظرها، لتجلس مرتاحة كالحديقة في أوج زينتها وانتظرها، لكي تتنفس هذا الهواء الغريب على قلبها وانتظرها، لترفع عن ساقها ثوبها غيمة غيمة وانتظرها، وخذها إلى شرفة لترى قمراً غارقاً في الحليب انتظرها، وقدم لها الماء، قبل النبيذ، ولا تتطلع إلى توأمي حجل نائمين على صدرها وانتظرها، ومسّ على مهل يدها عندما تضع الكأس فوق الرخام كأنك تحمل عنها الندى وانتظرها، تحدث اليها كما يتحدث ناي إلى وتر خائف في الكمان كـأنكما شاهدان على ما يعد غد لكما وانتظرها ولمّع لها ليلها خاتما خاتما وانتظرها إلى ان يقول لك الليل: لم يبق غيركما في الوجود فخذها، برفق، إلى موتك المشتهى وانتظرها!
_________________
عدل سابقا من قبل تركي عامر في الأحد 09 أغسطس 2009, 6:42 pm عدل 4 مرات
تركي عامر حالم ورقستان
عدد الرسائل: 5344 العمر: 54 الإقامة: ورقستان المهنة: مجرم حبر الهوايات: معاقرة الحبر ومقارعة الورق تاريخ التسجيل: 22/02/2007
موضوع: رد: عام على رحيل محمود درويش السبت 08 أغسطس 2009, 8:40 pm
عام على وفاة محمود درويش: رفض أن يكبر ورحل بلا ورثة ولا مجدّدين
رام الله، بيروت - القدس - يصادف غداً الاحد ذكرى مرور عام على وفاة الشاعر العربي الفلسطيني الكبير محمود درويش. غاب الشاعر المرهف الغني موهبةً وثقافةً وابداعاً، ولم يغب. انتقل جسده ليذوب في ثرى فلسطين التي ظل حبه اللا متناهي لها وحزنه على المصير الذي آلت اليه هاجسه الشاغل. لكن ما ابدعه وصنعه سيبقى ما بقي اناس يتقنون العربية ويتذقون الصور الشعرية ومعانيها بتلك اللغة الجميلة او منقولة بحساسية الى لغات اخرى.
وقد نشرت صحيفة "الاخبار" اللبناني في عددها الصادر اليوم السبت عدداً من المقالات لكتاب ونقادمن انحاء مختلفة في العالم العربي الواسع الذي تذوق شعر درويش وما زال يردده. كتب عن درويش في عدد "الاخبار " الصادر اليوم السبت نقاد وادباء من حيفا وبيروت وباريس ورام الله وعمان. وتختار ان تنشر منها المقال الآتي للاديب الناقد محمد خير:
"لم يتح الزمن لمحمود درويش أن يشيخ مع قصائده أو بها، فلم يهبط منحناها ولم تبدُ أسطره الأخيرة ابنة تعب، بل ظلت شابة في عنفوانها، حتى وهي تناجي الموت وتجادله. كانت القصائد الأخيرة لكنها ـــــ مع ذلك ـــــ لم تكن تشبه قصائد النهايات، بل تميزت بخصوبة وطزاجة لعلّها السبب في ذلك الشعور المتناقض الذي سكن كل من فوجئ بالرحيل. إذ امتزج الحزن بالطمأنينة في تركيبة نادرة، الطمأنينة لأنّ ذلك الشاعر الكبير منحنا الكثير من الشعر، حتى إننا لن نستطيع أن نفتقده، والحزن لأن ذلك العنفوان المتبدي حتى السطر الأخير، كان ينبئ بالمزيد من القصائد والصور التي وقفت تنتظر دورها فلم تسنح لها الفرصة.
كان شاباً إلى النهاية، وربما لهذا لم يكن له تلاميذ، بل مقلّدون وغيارى وباحثون عن شفرة امتلكها درويش وحده. يندر ـــــ خاصة في التراث العربي - ألا يكون لشاعر بهذا الحجم مدرسة،
تجربة حافلة بالدروس التي لا يستطيع تطبيقها الآخرونحتى لو ظن بعضهم أنّها موجودة، لكن عباءة الشاعر لم تنجب سوى نسخ صغيرة ذابت فيه. أما بعدما وضعت النقطة الأخيرة في نهاية السطر الأخير للقصيدة الدرويشية الأخيرة، فلا ورثة ولا مجددون، بل طرق أخرى مختلفة تماماً يتقاطع أصحابها مع درويش في أسئلته الإنسانية، لا في لغته. يفيدون من تجربته معرفياً، لا أسلوبياً.
فرادة درويش أنّه ارتدى مجده ثياباً كلاسيكية في مقهى عصري، صعدت قصيدة النثر العربية ونمت وتطورت حول درويش في كل مكان، فلم تمسّ منه ولم يمسّ منها، ولم يلتقيا في موعد، لا حبّ ولا كراهية، فقط بضع كلمات هنا أو هناك من لزوميات الإجابة عند السؤال. كأنه وتلك القصيدة الحديثة عالمان منفصلان لا يرى أحدهما الآخر، فلا يأخذ واحدهما من مكانة الثاني، لا يحاربه ولا يخوض معاركه، لا يزيده ولا ينقص منه.
لأنه لم يكن مدرسة، فإن محاولة استخلاص درس منه ستنتج حلولاً غريبة. صحيح أنه برهن على اتساع الشكل القديم لمعانٍ جديدة، وعلى ازدهار الصورة الشعرية في عالم الصورة البصرية، وعلى بقاء الشاعر رمزاً وبقاء الشعر نصاً مقروءاً في الوسع. ولكن مشكلة كل تلك "الدروس" أنّها ارتبطت بدرويش نفسه، ولم تبرهن بعد على قابلية إعادة التطبيق في واقع تضيق فيه مساحة قراءة الشعر على رغم اتساع السوق، وغزارة الأدب.
وما زال الشعراء الجماهيريّون الآخرون في معظمهم لا يليقون بأن يكونوا زملاء درويش، بل يداعبون في الشعر أجهله، ويلجأون إلى الكلمات التي تكملها آذان المتلقّين تلقائياً لكثرة ما سمعوها من قبل... أما في القصيدة الحديثة، فتضيق دائرة المتلقين حتى تكاد تقتصر أحياناً على كتّاب تلك القصيدة أنفسهم. وهي حالة لم يغيّر منها كثيراً تقدم وسائل النشر والاتصال، وزادت من تدهورها مسابقات الشعر التلفزيونية التي أكملت الجريمة المعرفية التي بدأتها مناهج التعليم. ومع ذلك، تواصل القصيدة الجديدة ازدهار "الكتابة" لا الانتشار. وفي خضم صراع كتابها ضد حراس الماضي، يستثنون محمود درويش من غضبهم، لأنّه أشعر من أن يعاديه أحد!".
عدد الرسائل: 238 العمر: 49 الإقامة: دالية الكرمل المهنة: معلمة الهوايات: شعر - مطالعة - إنترنيت تاريخ التسجيل: 25/05/2009
موضوع: أسطورة الحضور والغياب السبت 08 أغسطس 2009, 11:55 pm
شكرا لك تركي عامر على هذه القصائد التي تمس شغاف القلوب أعدت إلي قناعتي بأن محمود درويش قد هزم الموت ليت ورقستان تفرد له بابا ثابتا يحتوي المزيد من القصائد بصوته والمزيد من الصور
ماري دانيال حتر مشرف (ة)
عدد الرسائل: 537 العمر: 47 الإقامة: فلسطين ـ لبنان ـ الإمارات المهنة: إدارية الهوايات: القراءة تاريخ التسجيل: 14/11/2007
موضوع: رد: عام على رحيل محمود درويش الأحد 09 أغسطس 2009, 9:28 am
مرايا الزمن الشاعر المجبول بمادة الخلود نفسها
بقلم: شوقي بزيغ ـ جريدة الخليج
الذين رأوا الى الزمن بوصفه الناقد الأمهر وصاحب الكلمة الحاسمة في الحكم على الشعراء لم يجافوا الحقيقة في شيء، بل إن هذه الحقيقة تؤكد نفسها قرناً بعد قرن وجيلاً بعد جيل، فلو تأملنا قليلاً في مصائر الشعراء بعد رحيلهم عن العالم لتبين لنا بشكل جلي كيف أن بعض من أصابوا حظوة كبيرة في حياتهم تراجعت اسماؤهم في ما بعد الى خانة النسيان، وكيف أن بعض من تعرضوا لظلم فادح من قبل معاصريهم ما لبثت الأجيال اللاحقة أن اعادت اليهم الاعتبار واعطتهم ما يستحقه نتاجهم من حفاوة وتكريم. ولعل القول الشائع “المعاصرة حجاب” هو قول محق تماماً لأن نجومية بعض الشعراء قد تكون متأتية عن السلطة التي يمتلكونها، اعلامية كانت أم سياسية أم اجتماعية، أو عن اتكائهم على القضايا الكبرى التي ما إن يتراجع منسوب الاهتمام بها حتى يعود هؤلاء الى أحجامهم الحقيقية الهزيلة. والعكس صحيح بالنسبة لشعراء حقيقيين اخفقوا في الترويج لأنفسهم بسبب الخفر أو الكبرياء ثم جاء الزمن بعد ذلك ليعطي أحكامه المنصفة والفاصلة.
بعد مرور عام كامل على غياب محمود درويش يتضح لنا اليوم، نحن قراءه ومحبيه، كم كان هذا الغياب اعجز من أن يطفئ شعلة الإبداع التي اضاءها صاحب “سرير الغريبة” و”ورد أقل” وغيرهما من الروائع أو يخفف من اندفاعتها المتوهجة في ظلال العالم، لا بل بدا الاحتجاب الجسدي لدرويش وكأنه أتاح للشاعر ان يتخفف من مادته الجسدية الترابية ليظهر في مكان آخر أكثر اتصالاً بالروح وفرح الاكتشاف وتجليات اللغة. صحيح أن سنة واحدة ليست كافية لاجتياز امتحان الخلود، ولكن المؤشرات كلها تقودنا الى الاستنتاج بأن شعر درويش مصنوع في الأصل من مادة الخلود نفسها حيث الكتابة لا تنبثق عن اللحظة العابرة إلا لتخترقها وعن الحدث الراهن الا لتقذفه بعيداً في الديمومة. ولعل درويش هو من القلائل الذين لم تتعارض شهرتهم الواسعة في حياتهم مع مشروعهم الإبداعي الطويل الأمد والذين لم تنقص نجوميتهم الدنيوية من احتفائهم بالمستقبل وتوفير الوقود اللازم للسفر بعيداً في غياهبه.
على أن الأمر لم يكن محض صدفة بأي حال ولا هو ناجم عن ضربة الحظ أو كاريزما الحضور الشخصي وحدها، بقدر ما هو ثمرة ذلك التضافر بين الموهبة الاستثنائية والثقافي الاستثنائي من أجل الوصول بالقصيدة العربية الى ذرا فريدة لم يبلغها سوى القليلين من الشعراء العرب الرياديين. قلم تكن الموهبة العالية وحدها هي التي صنعت من محمود درويش ما أصبح عليه، بدليل أن يتأمل في بواكير الشعراء الفلسطينيين من جيل درويش لا يلحظ فارقاً يذكر بين صاحب “أوراق الزيتون” وبين المجموعات الأولى لمجايليه الآخرين، لا بل إن الشاعر ما لبث أن اسقط عمله الأول “عصافير بلا اجنحة” من حساب النشر بعدما اكتشف اثناء مراجعته القاسية لتجربته أنه ليس سوى تمرين متعثر على الشعر لا يستحق ان ينشر. وسواء وافقنا درويش على خطوته أم لا فهي تكشف بأي حال عن القلق العميق الذي ظل يعتريه ازاء منجزه الشعري وعن حرصه الدائم على منازلة نفسه فوق ساحة ملبدة بالشكوك.
ثمة عناصر كثيرة جعلت من محمود درويش شاعراً استثنائياً بكل المقاييس، فهو إضافة الى الموهبة الفريدة جعل من الشعر مشروع حياته الوحيد بحيث اطاح بكل ما يتعارض مع هذا المشروع بدءاً من المناصب السياسية العالية التي عرضت عليه وضرب بها عرض الحائط، مروراً بخروجه المبكر من مؤسسة الزواج التي رأى فيها تعارضاً مع جنونه المرضي الى الحرية، ووصولاً الى ادارة ظهره لمغريات الحياة المرفهة التي توفرت له والتي كان يمكن للكثيرين غيره أن يقعوا في شرك لذائذها المغوية. على أن عدم الرضى عن النفس الذي ظل يشعر به محمود طوال حياته لم يدفعه الى الوقوع في التجريب المجاني والعدمية السقيمة، بل الى الحفر في تراب نفسه كما في التراب العربي الغني بحثاً عن النقطة التي يتقاطع عندها الماضي مع المستقبل والمجازفة مع الحقيقة والعاطفة النبيلة مع اختبارات الأشكال وارتياد المجاهيل، وإذ كانت الغنائية ترتفع حيناً ويقل منسوبها حيناً آخر فقد بدت جزءاً لا يتجزأ من القصيدة الدرويشية لا ببعدها الانشادي أو الانشائي الساذج، بل بوصفها الماء اللازم لمنع الكتابة من الجفاف والتموج الايقاعي الضروري لمصاحبة الحياة في جمالها الأقصى أو شقائها الأكثر ضراوة.
ثمة الكثير ايضاً مما يجمع بين محمود درويش وجدّه المتنبي، ليس فقط من حيث الملكة الفطرية النادرة، ولا من حيث القلق المقيم والبحث الدائم عن وطن لا يكف عن الابتعاد، بل من حيث تلقف كل منهما لما سبقه من تجارب وأساليب متغايرة وتحويل كل ذلك الى سبيكة شعرية جديدة لا تكف عن التوهج.
ثمة أيضاً القدرة على تمثل روح الجماعة وحساسيتها والتقاط الموجة الخاصة التي تتصل من خلالها بالوجود والأشياء والزمان والمكان. وثمة أخيراً هذه الكفاءة العالية في تحويل الكلام الى حكمة شائعة أو مثل سائر يستشهد بهما كلما خطر للواقع أن يكرر نفسه في لحظة تماثل.
وإذا كان المتنبي مايزال صامداً بثبات نادر منذ ألف عام، فإن لدى محمود من مواصفات جده الأول ما يمكنه من الاستحواذ على قلوب قرائه وعقولهم لقرون طويلة.
مَنْ أَنا لأقول لكمْ ما أَقول لكمْ ؟ وأَنا لم أكُنْ حجراً صَقَلَتْهُ المياهُ فأصبح وجهاً ولا قَصَباً ثقَبتْهُ الرياحُ فأصبح ناياً ...
أَنا لاعب النَرْدِ ، أَربح حيناً وأَخسر حيناً أَنا مثلكمْ أَو أَقلُّ قليلاً ... وُلدتُ إلي جانب البئرِ والشجراتِ الثلاثِ الوحيدات كالراهباتْ وُلدتُ بلا زَفّةٍ وبلا قابلةْ وسُمِّيتُ باسمي مُصَادَفَةً وانتميتُ إلي عائلةْ مصادفَةً ، ووَرِثْتُ ملامحها والصفاتْ وأَمراضها :
أَولاً - خَلَلاً في شرايينها وضغطَ دمٍ مرتفعْ ثانياً - خجلاً في مخاطبة الأمِّ والأَبِ والجدَّة - الشجرةْ ثالثاً - أَملاً في الشفاء من الانفلونزا بفنجان بابونج ٍ ساخن ٍ رابعاً - كسلاً في الحديث عن الظبي والقُبَّرة
خامساً - مللاً في ليالي الشتاءْ سادساً - فشلاً فادحاً في الغناءْ ...
ليس لي أَيُّ دورٍ بما كنتُ كانت مصادفةً أَن أكونْ ذَكَراً ... ومصادفةً أَن أَري قمراً شاحباً مثل ليمونة يَتحرَّشُ بالساهرات ولم أَجتهد كي أَجدْ شامةً في أَشدّ مواضع جسميَ سِرِّيةً !
كان يمكن أن لا أكونْ كان يمكن أن لا يكون أَبي قد تزوَّج أُمي مصادفةً أَو أكونْ مثل أُختي التي صرخت ثم ماتت ولم تنتبه إلي أَنها وُلدت ساعةً واحدةْ ولم تعرف الوالدة ْ ... أَو : كَبَيْض حَمَامٍ تكسَّرَ قبل انبلاج فِراخ الحمام من الكِلْسِ /
كانت مصادفة أَن أكون أنا الحيّ في حادث الباصِ حيث تأخَّرْتُ عن رحلتي المدرسيّة ْ لأني نسيتُ الوجود وأَحواله عندما كنت أَقرأ في الليل قصَّةَ حُبٍّ تَقمَّصْتُ دور المؤلف فيها ودورَ الحبيب - الضحيَّة ْ فكنتُ شهيد الهوي في الروايةِ والحيَّ في حادث السيرِ /
لا دور لي في المزاح مع البحرِ لكنني وَلَدٌ طائشٌ من هُواة التسكّع في جاذبيّة ماءٍ ينادي : تعال إليّْ ! ولا دور لي في النجاة من البحرِ أَنْقَذَني نورسٌ آدميٌّ رأي الموج يصطادني ويشلُّ يديّْ
كان يمكن أَلاَّ أكون مُصاباً بجنِّ المُعَلَّقة الجاهليّةِ لو أَن بوَّابة الدار كانت شماليّةً لا تطلُّ علي البحرِ لو أَن دوريّةَ الجيش لم تر نار القري تخبز الليلَ لو أَن خمسة عشر شهيداً أَعادوا بناء المتاريسِ لو أَن ذاك المكان الزراعيَّ لم ينكسرْ رُبَّما صرتُ زيتونةً أو مُعَلِّم جغرافيا أو خبيراً بمملكة النمل أو حارساً للصدي !
مَنْ أنا لأقول لكم ما أقول لكم عند باب الكنيسةْ ولستُ سوي رمية النرد ما بين مُفْتَرِس ٍ وفريسةْ ربحت مزيداً من الصحو لا لأكون سعيداً بليلتيَ المقمرةْ بل لكي أَشهد المجزرةْ
نجوتُ مصادفةً : كُنْتُ أَصغرَ من هَدَف عسكريّ وأكبرَ من نحلة تتنقل بين زهور السياجْ وخفتُ كثيراً علي إخوتي وأَبي وخفتُ علي زَمَن ٍ من زجاجْ وخفتُ علي قطتي وعلي أَرنبي وعلي قمر ساحر فوق مئذنة المسجد العاليةْ وخفت علي عِنَبِ الداليةْ يتدلّي كأثداء كلبتنا ... ومشي الخوفُ بي ومشيت بهِ حافياً ، ناسياً ذكرياتي الصغيرة عما أُريدُ من الغد - لا وقت للغد -
ومن حسن حظّيَ أن الذئاب اختفت من هناك مُصَادفةً ، أو هروباً من الجيش ِ /
لا دور لي في حياتي سوي أَنني ، عندما عَـلَّمتني تراتيلها ، قلتُ : هل من مزيد ؟ وأَوقدتُ قنديلها ثم حاولتُ تعديلها ...
كان يمكن أن لا أكون سُنُونُوَّةً لو أرادت لِيَ الريحُ ذلك ، والريح حظُّ المسافرِ ... شمألتُ ، شرَّقتُ ، غَرَّبتُ أما الجنوب فكان قصياً عصيّاً عليَّ لأن الجنوب بلادي فصرتُ مجاز سُنُونُوَّةٍ لأحلِّق فوق حطامي ربيعاً خريفاً .. أُعمِّدُ ريشي بغيم البحيرةِ ثم أُطيل سلامي علي الناصريِّ الذي لا يموتُ لأن به نَفَسَ الله والله حظُّ النبيّ ...
ومن حسن حظّيَ أَنيَ جارُ الأُلوهةِ ... من سوء حظّيَ أَن الصليب هو السُلَّمُ الأزليُّ إلي غدنا !
مَنْ أَنا لأقول لكم ما أقولُ لكم ، مَنْ أنا ؟
كان يمكن أن لا يحالفني الوحيُ والوحي حظُّ الوحيدين إنَّ القصيدة رَمْيَةُ نَرْدٍ علي رُقْعَةٍ من ظلامْ تشعُّ ، وقد لا تشعُّ فيهوي الكلامْ كريش علي الرملِ /
لا دَوْرَ لي في القصيدة غيرُ امتثالي لإيقاعها : حركاتِ الأحاسيس حسّاً يعدِّل حساً وحَدْساً يُنَزِّلُ معني وغيبوبة في صدي الكلمات وصورة نفسي التي انتقلت من أَنايَ إلي غيرها واعتمادي علي نَفَسِي وحنيني إلي النبعِ /
لا دور لي في القصيدة إلاَّ إذا انقطع الوحيُ والوحيُ حظُّ المهارة إذ تجتهدْ
كان يمكن ألاَّ أُحبّ الفتاة التي سألتني : كمِ الساعةُ الآنَ ؟ لو لم أَكن في طريقي إلي السينما ... كان يمكن ألاَّ تكون خلاسيّةً مثلما هي ، أو خاطراً غامقاً مبهما ...
هكذا تولد الكلماتُ . أُدرِّبُ قلبي علي الحب كي يَسَعَ الورد والشوكَ ... صوفيَّةٌ مفرداتي . وحسِّيَّةٌ رغباتي ولستُ أنا مَنْ أنا الآن إلاَّ إذا التقتِ الاثنتان ِ : أَنا ، وأَنا الأنثويَّةُ يا حُبّ ! ما أَنت ؟ كم أنتَ أنتَ ولا أنتَ . يا حبّ ! هُبَّ علينا عواصفَ رعديّةً كي نصير إلي ما تحبّ لنا من حلول السماويِّ في الجسديّ . وذُبْ في مصبّ يفيض من الجانبين . فأنت - وإن كنت تظهر أَو تَتَبطَّنُ - لا شكل لك ونحن نحبك حين نحبُّ مصادفةً أَنت حظّ المساكين /
من سوء حظّيَ أَني نجوت مراراً من الموت حبّاً ومن حُسْن حظّي أنيَ ما زلت هشاً لأدخل في التجربةْ !
يقول المحبُّ المجرِّبُ في سرِّه : هو الحبُّ كذبتنا الصادقةْ فتسمعه العاشقةْ وتقول : هو الحبّ ، يأتي ويذهبُ كالبرق والصاعقة
للحياة أقول : علي مهلك ، انتظريني إلي أن تجفُّ الثُمَالَةُ في قَدَحي ... في الحديقة وردٌ مشاع ، ولا يستطيع الهواءُ الفكاكَ من الوردةِ / انتظريني لئلاَّ تفرَّ العنادلُ مِنِّي فاُخطئ في اللحنِ / في الساحة المنشدون يَشُدُّون أوتار آلاتهمْ لنشيد الوداع . علي مَهْلِكِ اختصريني لئلاَّ يطول النشيد ، فينقطع النبرُ بين المطالع ، وَهْيَ ثنائيَّةٌ والختامِ الأُحاديّ : تحيا الحياة ! علي رسلك احتضنيني لئلاَّ تبعثرني الريحُ /
حتي علي الريح ، لا أستطيع الفكاك من الأبجدية /
لولا وقوفي علي جَبَل ٍ لفرحتُ بصومعة النسر : لا ضوء أَعلي ! ولكنَّ مجداً كهذا المُتوَّجِ بالذهب الأزرق اللانهائيِّ صعبُ الزيارة : يبقي الوحيدُ هناك وحيداً ولا يستطيع النزول علي قدميه فلا النسر يمشي ولا البشريُّ يطير فيا لك من قمَّة تشبه الهاوية أنت يا عزلة الجبل العالية !
ليس لي أيُّ دور بما كُنْتُ أو سأكونْ ... هو الحظُّ . والحظ لا اسم لَهُ قد نُسَمِّيه حدَّادَ أَقدارنا أو نُسَمِّيه ساعي بريد السماء نُسَمِّيه نجَّارَ تَخْتِ الوليد ونعشِ الفقيد نسمّيه خادم آلهة في أساطيرَ نحن الذين كتبنا النصوص لهم واختبأنا وراء الأولمب ... فصدَّقهم باعةُ الخزف الجائعون وكَذَّبَنا سادةُ الذهب المتخمون ومن سوء حظ المؤلف أن الخيال هو الواقعيُّ علي خشبات المسارح ِ /
خلف الكواليس يختلف الأَمرُ ليس السؤال : متي ؟ بل : لماذا ؟ وكيف ؟ وَمَنْ
مَنْ أنا لأقول لكم ما أقول لكم ؟
كان يمكن أن لا أكون وأن تقع القافلةْ في كمين ، وأن تنقص العائلةْ ولداً ، هو هذا الذي يكتب الآن هذي القصيدةَ حرفاً فحرفاً ، ونزفاً ونزفاً علي هذه الكنبةْ بدمٍ أسود اللون ، لا هو حبر الغراب ولا صوتُهُ ، بل هو الليل مُعْتَصراً كُلّه قطرةً قطرةً ، بيد الحظِّ والموهبةْ
كان يمكن أن يربح الشعرُ أكثرَ لو لم يكن هو ، لا غيره ، هُدْهُداً فوق فُوَهَّة الهاويةْ ربما قال : لو كنتُ غيري لصرتُ أنا، مرَّةً ثانيةْ
هكذا أَتحايل : نرسيس ليس جميلاً كما ظنّ . لكن صُنَّاعَهُ ورَّطوهُ بمرآته . فأطال تأمُّلَهُ في الهواء المقَطَّر بالماء ... لو كان في وسعه أن يري غيره لأحبَّ فتاةً تحملق فيه ، وتنسي الأيائل تركض بين الزنابق والأقحوان ... ولو كان أَذكي قليلاً لحطَّم مرآتَهُ ورأي كم هو الآخرون ... ولو كان حُرّاً لما صار أُسطورةً ...
والسرابُ كتابُ المسافر في البيد ... لولاه ، لولا السراب ، لما واصل السيرَ بحثاً عن الماء . هذا سحاب - يقول ويحمل إبريق آماله بِيَدٍ وبأخري يشدُّ علي خصره . ويدقُّ خطاه علي الرمل ِ كي يجمع الغيم في حُفْرةٍ . والسراب يناديه يُغْويه ، يخدعه ، ثم يرفعه فوق : إقرأ إذا ما استطعتَ القراءةَ . واكتبْ إذا ما استطعت الكتابة . يقرأ : ماء ، وماء ، وماء . ويكتب سطراً علي الرمل : لولا السراب لما كنت حيّاً إلي الآن /
من حسن حظِّ المسافر أن الأملْ توأمُ اليأس ، أو شعرُهُ المرتجل
حين تبدو السماءُ رماديّةً وأَري وردة نَتَأَتْ فجأةً من شقوق جدارْ لا أقول : السماء رماديّةٌ بل أطيل التفرُّس في وردةٍ وأَقول لها : يا له من نهارْ !
ولاثنين من أصدقائي أقول علي مدخل الليل : إن كان لا بُدَّ من حُلُم ، فليكُنْ مثلنا ... وبسيطاً كأنْ : نَتَعَشَّي معاً بعد يَوْمَيْنِ نحن الثلاثة ، مُحْتَفلين بصدق النبوءة في حُلْمنا وبأنَّ الثلاثة لم ينقصوا واحداً منذ يومين ، فلنحتفل بسوناتا القمرْ وتسامُحِ موت رآنا معاً سعداء فغضَّ النظرْ !
لا أَقول : الحياة بعيداً هناك حقيقيَّةٌ وخياليَّةُ الأمكنةْ بل أقول : الحياة ، هنا ، ممكنةْ
ومصادفةً ، صارت الأرض أرضاً مُقَدَّسَةً لا لأنَّ بحيراتها ورباها وأشجارها نسخةٌ عن فراديس علويَّةٍ بل لأن نبيّاً تمشَّي هناك وصلَّي علي صخرة فبكتْ وهوي التلُّ من خشية الله مُغْميً عليه
ومصادفةً ، صار منحدر الحقل في بَلَدٍ متحفاً للهباء ... لأن ألوفاً من الجند ماتت هناك من الجانبين ، دفاعاً عن القائِدَيْنِ اللذين يقولان : هيّا . وينتظران الغنائمَ في خيمتين حريرَيتَين من الجهتين ... يموت الجنود مراراً ولا يعلمون إلي الآن مَنْ كان منتصراً !
ومصادفةً ، عاش بعض الرواة وقالوا : لو انتصر الآخرون علي الآخرين لكانت لتاريخنا البشريّ عناوينُ أُخري
أُحبك خضراءَ . يا أرضُ خضراءَ . تُفَّاحَةً تتموَّج في الضوء والماء . خضراء . ليلُكِ أَخضر . فجرك أَخضر . فلتزرعيني برفق... برفق ِ يَدِ الأم ، في حفنة من هواء . أَنا بذرة من بذورك خضراء ... /
تلك القصيدة ليس لها شاعر واحدٌ كان يمكن ألا تكون غنائيَّةَ ...
من أنا لأقول لكم ما أَقول لكم ؟ كان يمكن أَلاَّ أكون أَنا مَنْ أَنا كان يمكن أَلاَّ أكون هنا ...
كان يمكن أَن تسقط الطائرةْ بي صباحاً ، ومن حسن حظّيَ أَني نَؤُوم الضحي فتأخَّرْتُ عن موعد الطائرةْ كان يمكن أَلاَّ أري الشام والقاهرةْ ولا متحف اللوفر ، والمدن الساحرةْ
كان يمكن ، لو كنت أَبطأَ في المشي ، أَن تقطع البندقيّةُ ظلِّي عن الأرزة الساهرةْ
كان يمكن ، لو كنتُ أَسرع في المشي ، أَن أَتشظّي وأصبح خاطرةً عابرةْ
كان يمكن ، لو كُنْتُ أَسرف في الحلم ، أَن أَفقد الذاكرة .
ومن حسن حظِّيَ أَني أنام وحيداً فأصغي إلي جسدي وأُصدِّقُ موهبتي في اكتشاف الألمْ فأنادي الطبيب، قُبَيل الوفاة، بعشر دقائق عشر دقائق تكفي لأحيا مُصَادَفَةً وأُخيِّب ظنّ العدم
مَنْ أَنا لأخيِّب ظنَّ العدم ؟ مَنْ أنا ؟ مَنْ أنا ؟
نشرت في الثاني من تموز (يوليو) 2008
تركي عامر حالم ورقستان
عدد الرسائل: 5344 العمر: 54 الإقامة: ورقستان المهنة: مجرم حبر الهوايات: معاقرة الحبر ومقارعة الورق تاريخ التسجيل: 22/02/2007
موضوع: رد: عام على رحيل محمود درويش الأحد 09 أغسطس 2009, 5:57 pm
هيام أبو الزلف كتب:
شكرا لك تركي عامر على هذه القصائد التي تمس شغاف القلوب أعدت إلي قناعتي بأن محمود درويش قد هزم الموت ليت ورقستان تفرد له بابا ثابتا يحتوي المزيد من القصائد بصوته والمزيد من الصور
عدد الرسائل: 5344 العمر: 54 الإقامة: ورقستان المهنة: مجرم حبر الهوايات: معاقرة الحبر ومقارعة الورق تاريخ التسجيل: 22/02/2007
موضوع: سنة على رحيل الحاضر الغائب درويش الأحد 09 أغسطس 2009, 6:03 pm
سنة على رحيل الحاضر الغائب.. درويش
تصادف، اليوم الاحد، ذكرى مرور عام على وفاة الشاعر العربي الفلسطيني الكبير محمود درويش. غاب الشاعر المرهف الغني موهبةً وثقافةً وابداعاً، ولم يغب. انتقل جسده ليذوب في ثرى فلسطين التي ظل حبه اللا متناهي لها وحزنه على المصير الذي آلت اليه هاجسه الشاغل. لكن ما ابدعه وصنعه سيبقى ما بقي اناس يتقنون العربية ويتذقون الصور الشعرية ومعانيها بتلك اللغة الجميلة او منقولة بحساسية الى لغات اخرى.
التاسع من آب 2008 بات يوماً غير عادي في «مفكرة» الشعر العربي وفي ذاكرة فلسطين المفتوحة على المستقبل الذي ليس بواضح.
حضر محمود درويش خلال العام الفائت بشدة ليس عبر موته الأليم الذي حل كمأساة، وليس عبر ديوانه البديع «لا أريد لهذي القصيدة ان تنتهي» الذي صدر بُعيد رحيله وأثار سجالاً لم ينته، بل من خلال المعنى الذي رسّخه هذا الغياب المفاجئ الذي لا يمكن وصفه إلا بالحضور الساطع.
كانت الحاجة ماسة الى محمود درويش خلال عام غيابه، الشعر العربي الحديث افتقده، فلسطين الغارقة في مآسيها السياسية والجغرافية والإنسانية افتقدته، المنفى الذي اضحى الى لا نهاية افتقده ايضاً، الحياة افتقدته، الأصدقاء والأعداء...
لا نتذكر هنا محمود درويش، فهو من شدة حضوره كاد ينتصر على الغياب ليكون كما كان دوماً، نجماً ساحراً في ليل الحياة العربية. كاد ينتصر... بل انتصر حقاً
نبذة عن درويش
محمود درويش، (13 آذار 1941 – 9آب 2008)، أحد أهم الشعراء الفلسطينين واللغة العربية الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن. يعتبر درويش أحد أبرز من ساهم بتطوير الشعر العربي الحديث وإدخال الرمزية فيه. في شعر درويش يمتزج الحب بالوطن بالحبيبة الأنثى. قام بكتابة وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني التي تم إعلانها في الجزائر.
ولد عام 1941 في قرية البروة وهي قرية فلسطينية تقع في الجليل قرب ساحل عكا.حيث كانت أسرته تملك أرضا هناك. خرجت الأسرة برفقة اللاجئين الفلسطينيين في العام 1947 إلى لبنان ،ثم عادت متسللة العام 1949 بعيد توقيع اتفاقيات السلام المؤقتة، لتجد القرية مهدومة وقد أقيم على أراضيها موشاف (قرية زراعية إسرائيلية)"أحيهود".وكيبوتس يسعور. فعاش مع عائلته في قرية الجديدة.
عد إنهائه تعليمه الثانوي في مدرسة يني الثانوية في كفرياسيف انتسب إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي وعمل في صحافة الحزب مثل الاتحاد والجديد التي أصبح في ما بعد مشرفا على تحريرها.
اعتقل من قبل السلطات الإسرائيلية مرارا بدأ من العام 1961 بتهم تتعلق بتصريحاته ونشاطه السياسي وذلك حتى عام 1970 حيث توجه إلى الاتحاد السوفييتي للدراسة ضمن بعثة حزبية، وانتقل بعدها لاجئا إلى القاهرة في ذات العام حيث التحق بمنظمة التحرير الفلسطينية، ثم لبنان حيث عمل في مؤسسات النشر والدراسات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، علماً إنه استقال من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير احتجاجاً على اتفاقية أوسلو. كما أسس مجلة الكرمل الثقافية .
شغل منصب رئيس رابطة الكتاب والصحفيين الفلسطينيين وحرر مجلة الكرمل. كانت اقامته في باريس قبل عودته إلى وطنه حيث أنه دخل إلى فلسطين بتصريح لزيارة أمه. وفي فترة وجوده هناك قدم بعض أعضاء الكنيست الإسرائيلي العرب واليهود اقتراحا بالسماح له بالبقاء وقد سمح له بذلك.
بدأ بكتابة الشعر في جيل مبكر وقد لاقى تشجيعا من بعض معلميه. عام 1958، في يوم الاستقلال العاشر لإسرائيل ألقى قصيدة بعنوان "أخي العبري" في احتفال أقامته مدرسته. كانت القصيدة مقارنة بين ظروف حياة الأطفال العرب مقابل اليهود، استدعي على إثرها إلى مكتب الحاكم العسكري الذي قام بتوبيخه وهدده بفصل أبيه من العمل في المحجر إذا استمر بتأليف أشعار شبيهة. استمر درويش بكتابة الشعر ونشر ديوانه الأول، عصافير بلا أجنحة، في جيل 19 عاما. يعد شاعر المقاومة الفلسطينية ومر شعره بعدة مراحل.
توفي في الولايات المتحدة الأمريكية يوم السبت 9 آب 2008 بعد إجراءه لعملية القلب المفتوح في المركز الطبي في هيوستن، التي دخل بعدها في غيبوبة أدت إلى وفاته بعد أن قرر الأطباء نزع أجهزة الإنعاش.
قالوا عن درويش:
هذا الشاعر التراجيدي المنبت استطاع أن يكون شاغل الناس وشاغل الشعراء والنقاد والقراء على اختلاف أمزجتهم. لا يحب محمود درويش كلمة "جمهور" أو "جماهير"، يفضل كلمة قارئ أو قراء. هذا ما بات واضحاً الآن تمام الوضوح. يحس الشاعر انه يكتب لنفسه مثلما يكتب لقارئه. إنها المعادلة الصعبة التي حققها محمود درويش، صانعاً من الشعر ذاكرته وذاكرة قرائه، ذاكرته وذاكرة الأرض المجروحة. ولئن كان ولا يزال شاعر القضية فهو نجح في تحمل عبء هذه الصفة أو الكناية من غير أن يتخلى عنها لحظة. بل هو عمّق هذه الصفة حتى أضحت مغروسة في تراب الماضي- الحاضر. انه الشاعر أولاً وأخيراً وربما الشاعر فقط، سارق النار ومضرمها، الشاعر السري المتجذر في أرض الحلم والمنفتح على شمس الرؤيا. عبدو وازن
لم يكتب درويش عن الشعر إلا قليلاً ولم يول للتنظير الشعري إلا قليلاً. لقد صنع شعره من دون أن يحير قراءه بمثال نظري ومن دون أن يلتبس فيه الشاعر بالمفكر في الشعر. كفاه الالتباس الذي لا ينفك بين الشاعر والفلسطيني... الشاعر أولا بالتأكيد عند درويش، وما فعله هو أن يبقى الشعر أولا وتصدر عنه كل البطاقات الأخرى. لقد جعل فلسطينيته عنواناً آخر للشعر وحولها إلى ملحمته وميتافيزياه وإشكاله الأنطولوجي. لا يخسر الشعر بذلك، لكننا مع درويش. عباس بيضون
ثلاث صفات تميز محمود درويش عن غيره: أعار صوته الشعري إلى شعبه، أو استعار شعبه صوته الشعري، إلى أن دخل مع القضية الفلسطينية إلى قران لا انفكاك منه. خلق لقصيدته جمهوراً عربياً حاشداً، كما لو كان الشعر العربي الراهن قد اختصر إلى قصيدته أو يكاد. ظفر باعتراف عالمي أمده بمكانة له لا تحتاج إلى برهان. كان في هذه الصفات الثلاث شاعر القضية التي التزم بها، والشاعر الذي صيّر القضية إلى مجاز شعري، يتجاوز المكان ويمحو الحدود الجغرافية ويتحاور مع قارئ متعدد اللغات. وإذا كان لكل حديث مناسبة فما المناسبة التي تستدعي هذا الكلام؟ فيصل دراج
الشعر ماء اللغة، به تغتسل من ذاكرتها وتصنع ذاكرتها في آن واحد… كأن الكلمات التي يكتبها الشعراء تأتي من مكان سري في أعماقنا ، من تجربة تبحث عن لغتها ، ومن كلمات تتجدد في ماء الشعر. تجربة محمود درويش هي ابنة هذا الماء به غسلت لغتها وجددتها ، أقامت من المأساة الفلسطينية جداريه شعرية كبرى تختزن في أعماقها هذا الغوص في ماء الشعر وماء الحياة. نستطيع أن نقرأ التجربة الدرويشية في مستويات متعددة ننسبها إلى أرضها ، ونكتشف ملحمة مقاومة الشعب الفلسطيني للاندثار والموت فتصبح القصائد شكلاً لتاريخ المأساة. الياس خوري
سوف يُكتب الكثير عن محمود درويش ويمتزج الحبر بالدموع , سوف يُكتب عن شعره الذي طالما أغضب المحتل الإسرائيلي وأفزعه وعن "فلسطينه" التي عشقها حتى الرمق الأخير , وعن نجمته بيروت ,عن ريتا وعصافير الجليل , عن حصانه الذي ترك الحصان وحيداً , وسرير الغريبة الذي يشتاق دفء قصيدته ,وعن أثر الفراشة الذي لم تقدر جرافات الاحتلال على محوه من ذاكرة فلسطين , مثلما سوف يُكتب عن شاعريته , وفرادته وتمرده حتى على شعره وجمهوره , أما أنا فسوف أنتظر في بيروت مردداً " تليق بك الحياة " في الحياة ,وفي الموت الذي في حالة محمود درويش لا يكون كليًا. زاهي وهبي
محمود درويش أحد أفضل الشعراء العرب في القرن الحالي ويرمز تاريخه الشخصي إلى تاريخ قومه استطاع تطوير هموم شعرية جميلة مؤثرة احتلت فيها فلسطين موقعاً مركزياً , فكان شعره التزاماً بالكلمة الجوهرية الدقيقة , وليس شعراً نضالياً أو دعوياً ,هكذا تمكن درويش شأنه في ذلك شأن الشعراء الحقيقيين من ابتكار واقع لفظي يرسخ في ذهن القارئ باستقلال تام عن الموضوع أو الباعث الذي أحدثه. الكاتب الإسباني خوان غويتيسولو
عدد الرسائل: 5344 العمر: 54 الإقامة: ورقستان المهنة: مجرم حبر الهوايات: معاقرة الحبر ومقارعة الورق تاريخ التسجيل: 22/02/2007
موضوع: رد: عام على رحيل محمود درويش الأحد 09 أغسطس 2009, 6:15 pm
محمود درويش: بقيّة حياة
محمود درويش: بقيّة حياة
إذا قيل لي: ستموتُ هنا في المساء فماذا ستفعل في ما تبقَّى من الوقتِ؟ ـ أنظرُ في ساعة اليد/ أشربُ كأسَ عصيرٍ، وأَقضم تُفَّاحَةً، وأطيلُ التأمُّلَ في نَمْلَةٍ وَجَدَتْ رزقها، ثم أنظر في ساعة اليدِ/ ما زال ثمَّة وقتٌ لأحلق ذقني وأَغطس في الماء/ أهجس: "لا بُدَّ من زينة للكتابة/ فليكن الثوبُ أزرق"/ أجْلِسُ حتى الظهيرة حيّاً إلى مكتبي لا أرى أَثر اللون في الكلمات، بياضٌ، بياضٌ، بياضٌ... أُعِدُّ غدائي الأخير أَصبُّ النبيذ بكأسين: لي ولمن سوف يأتي بلا موعد، ثم آخذ قَيْلُولَةً بين حُلْمَينْ/ لكنّ صوت شخيري سيوقظني... ثم أَنظر في ساعة اليد: ما زال ثمّةَ وَقْتٌ لأقرأ/ أقرأ فصلاً لدانتي ونصْفَ مُعَلَّقَةٍ وأرى كيف تذهب مني حياتي إلى الآخرين، ولا أتساءل عَمَّنْ سيملأ نقصانها ـ هكذا ؟ ـ هكذا. ـ ثم ماذا ؟ ـ أمشّط شَعْري، وأرمي القصيدة... هذي القصيدة في سلة المهملات وألبس أحدث قمصان إيطاليا، وأُشَيّع نفسي بحاشيةٍ من كمنجات إسبانيا ثم أمشي إلى المقبرةْ !
من كتاب "أثر الفراشة"
_________________
تركي عامر حالم ورقستان
عدد الرسائل: 5344 العمر: 54 الإقامة: ورقستان المهنة: مجرم حبر الهوايات: معاقرة الحبر ومقارعة الورق تاريخ التسجيل: 22/02/2007
موضوع: رد: عام على رحيل محمود درويش الأحد 09 أغسطس 2009, 6:36 pm
نيويورك، نوفمبر، الشارع الخامس الشمس صحن من المعدن المتطاير فوضى لغات زحام على مهرجان القيامة هاوية كهربائية بعلو السماء قصائد ويتمان تمثال حرية لا مبال بزوّاره جامعات مسارح قداس جاز متاحف للغد لا وقتَ في الوقت قلت لنفسي الغريبة: هل هذه بابل، أم سدوم؟ هناك التقيت بإدوارد قبل ثلاثين عاما وكان الزمان أقلَّ جموحا من الآن قال كلانا: إذا كان ماضيك تجربة فاجعل الغد معنىً ورؤيا لنذهب إلى غدنا واثقين بصدق الخيال ومعجزة العشب لا أتذكر أنّا ذهبنا إلى السينما في المساء ولكنْ سمعت هنودا قدامى ينادونني لا تثق بالحصان ولا بالحداثة لا ضحية تسأل جلادها: هل أنا أنتَ لو كان سيفي أكبرَ من وردتي هل تسأل إن كنت أفعل مثلك سؤال كهذا يثير فضول الروائي في مكتب من زجاج يطل على زنبق في الحديقة حيث تكون يد الفرضية بيضاء مثل ضمير الروائي حين يصفّي الحساب مع نزعة البشرية لا غدَ في الأمس فلتتقدمْ إذا قد يكون التقدم جسر الرجوع إلى البربرية
نيويورك إدوارد يصحو على جرس الفجر يعزف لحنا لموتسارت يركض في ملعب التنس الجامعي يفكر في رحلة الفكر عبر الحدود وفوق الحواجز يقرأ نيويورك تايمز يكتب تعليقه المتوتر يلعن مستشرقا يرسل الجنرال إلى نقطة الضعف في قلب شرقية يستحمّ ويختار بذلته بأناقة ديك ويشرب قهوته بالحليب ويصرخ في الفجر: لا تتلكأ على الريح يمشي وفي الريح يعرف من هو لا سقف للريح لا بيت للريح والريح بوصلة لشمال الغريب يقول: أنا من هناك أنا من هنا ولست هناك ولست هنا ليَ اسمان يلتقيان ويفترقان ولي لغتان نسيت بأيهما كنت أحلم لي لغة إنجليزية للكتابة طيّعة المفردات ولي لغة من حوار السماء مع القدس فضية النبر لكنها لا تطيع مخيلتي والهوية قلت قال دفاع عن الذات إن الهوية بنت الولادة لكنها في النهاية إبداع صاحبها لا وراثة ماض أنا المتعدد في داخلي خارجي المتجدد لكنني أنتمي لسؤال الضحية لو لم أكن من هناك لدربت قلبي على أن يربي غزال الكناية فاحمل بلادك أنّى ذهبت وكن نرجسيَ السلوك لكي يعرفوك إذا لزم الأمر منفى هو العالم الخارجي ومنفى هو العالم الباطني فمن أنت بينهما؟ لا أعرّف نفسي لئلا أضيّعها وأنا ما أنا وأنا آخري في ثنائية تتناغم بين الكلام وبين الإشارة ولو كنت أكتب شعرا لقلت: أنا اثنان في واحد كجناحيْ سنونوة إن تأخر فصل الربيع اكتفيت بنقل الإشارة يحب بلادا ويرحل عنها هل المستحيل بعيد؟ يحب الرحيل إلى أي شيء ففي السفر الحر بين الثقافات قد يجد الباحثون عن الجوهر البشري مقاعد جاهزة للجميع هنا هامش يتقدّم أو مركز يتراجع لا الشرق شرق تماماً ولا الغرب غرب تماماً فإن الهوية مفتوحة للتعدد لا صَدَفا أو خنادق كان المجاز ينام على ضفة النهر لولا التلوث لاحتضن الضفة الثانية هل كتبت الرواية؟ حاولت حاولت أن أستعيد بها صورتي في مرايا النساء البعيدات لكنّهن توغلن في ليلهن الحصين وقلنَ: لنا عالم مستقل عن النص لن يكتب الرجل المرأة اللغز والحلم لن تكتب المرأة الرجل الرمز والنجم لا حب يشبه حباً ولا ليل يشبه ليلاً فدعنا نعدد صفات الرجال ونضحك وماذا فعلت؟ ضحكت على عبثي ورميتُ الرواية في سلة المهملات المفكر يكبح سرد الروائي والفيلسوف يشرّح ورد المغني يحب بلاداً ويرحل عنها أنا ما أقول وما سأكون سأصنع نفسي بنفسي وأختار منفاي موسوعة لفضاء الهوية منفاي خلفية المشهد الملحمي أدافع عن حاجة الشعراء إلى الغد والذكريات معاً وأدافع عن شجر ترتديه الطيورُ بلاداً ومنفى وعن قمر لم يزل صالحاً لقصيدة حب أدافع عن فكرة كسرتها هشاشة أصحابها وأدافع عن بلد خطفته الأساطير هل تستطيع الرجوع إلى أي شيْ؟ أمامي يجرّ ورائي ويسرع لا وقت في ساعتي لأخط سطوراً على الرمل لكنني أستطيع زيارة أمس كما يفعل الغرباء إذا استمعوا في المساء الحزين إلى الشاعر الرعوي: فتاة على النبع تملأ جرتها بدموع السحاب وتبكي وتضحك من نحلة لسعت قلبها في مهب الغياب هل الحب ما يوجع الماء أم مرض في الضباب ..إلى آخر الأغنية إذا قد يصيبك داء الحنين حنيني إلى الغد أبعد أعلى وأبعد حلمي يقود خطاي ورؤياي تجلس حلمي على ركبتيّ كقط أليف هو الواقعي الخيالي وابن الإرادة في وسعنا أن نعدّل حتمية الهاوية والحنينُ إلى أمس عاطفة لا تخص المفكرَ إلا ليفهم شوق الغريب إلى أدوات الغياب وأما أنا فحنيني صراع على حاضر يمسك الغد من خصيتيه ألم تتسلل إلى الأمس حين ذهبت إلى البيت بيتك في القدس في حارة الطالبية؟ هيأت نفسي لأن أتمدد في تخت أمي كما يفعل الطفل حين يخاف أباه وحاولت أن أستعيد ولادة نفسي وحاولت أن أتحسس جلد الغياب ورائحة الصيف من ياسمين الحديقة لكنّ ضبع الحقيقة فرّقني عن حنين تلفت كاللص حولي أخفت؟ وماذا أخذت؟ لا أستطيع لقاء الخسارة وجها لوجه وقفت على الباب كالمتسوّل هل أطلب الإذن من غرباء ينامون فوق سريري أنا في زيارة نفسي لخمس دقائق هل أنحني باحترام لسكان حلمي الطفولي هل يسألون: من السائل الأجنبي الفضولي هل أستطيع الكلام عن السلم والحرب بين الضحايا وبين ضحايا الضحايا بلا كلمات إضافية وبلا جملة اعتراضية هل يقولون لي: لا مكان لحلمين في مخدع واحد لا أنا أو هو ولكنه قارئ يتساءل عما يقول لنا الشعر في زمن الكارثة دم ودم ودم في بلادك باسمي وباسمك في زهرة اللوز في قشرة الموز في لبن الطفل في اللون في الظل في حبة القمح في علبة الملح قناصة بارعون يصيبون أهدافهم بامتياز دما ودما ودما هذه الأرض أصغر من دم أبنائها الواقفين على عتبات القيامة مثل القرابين هل هذه الأرض حقا مباركة أم معمّدة بدم ودم ودم لا تجففه الصلوات ولا الرمل لا عدّ في صفحات الكتاب المقدس يكفي لكي يفرح الشهداء بحرية المشي فوق الغمام دم في النهار دم في الظلام دم في الكلام يقول: القصيدة قد تستضيف الخسارة خيطا من الضوء يلمع في قلب غيتارة أو مسيحا على فرس مثخن بالمجاز الجميل فليس الجمالي إلا حضور الحقيقي في الشكل. في عالم لا سماء له تصبح الأرض هاوية والقصيدة إحدى هِبات العزاء وإحدى صفات الرياح جنوبية أو شمالية لا تصف ما ترى الكاميرا من جروحك واصرخ لتسمع نفسك واصرخ لكي تعلم أن الحياة على هذه الأرض ممكنة فاخترع أملا للكلام ابتكر جهة أو سرابا يطيل الرجاء وغنّ فإن الجمالي حرية أقول: الحياة التي لا تعرّف إلا بضد هو الموت ليست حياة يقول: سنحيا ولو تركتنا الحياة إلى شأننا فلنكن سادة الكلمات التي سوف تجعل قراءها خالدين على حد تعبير صاحبك الفذ ريتسوس وقال: إذا متّ قبلكَ أوصيك بالمستحيل سألت: هل المستحيل بعيدٌ؟ فقال: على بعد جيل سألت: فإن متّ قبلك قال: أعزّي جبال الجليل وأكتب: ليس الجمالي إلا بلوغ الملائم والآن، لا تنس إن متّ قبلكَ أوصيك بالمستحيل عندما زرته في سدومَ الجديدة في عام ألفين واثنين كان يقاوم حرب سدوم على أهل بابل والسرطان معا كان كالبطل الملحمي الأخير يدافع عن حق طروادة في اقتسام الرواية نسر يودع قمته عاريا عاريا فالإقامة فوق الأولمب وفوق القممْ تثير السأم وداعا وداعا وداعا لشعر الألم
_________________
تركي عامر حالم ورقستان
عدد الرسائل: 5344 العمر: 54 الإقامة: ورقستان المهنة: مجرم حبر الهوايات: معاقرة الحبر ومقارعة الورق تاريخ التسجيل: 22/02/2007
موضوع: محمود درويش: أثر الفراشة لا يموت الأحد 09 أغسطس 2009, 6:53 pm
"أثر الفراشة" لا يموت (*)
ما كنْتُ في الوطنِ. اتّصلْتُ، فقيلَ لِي: درويشُ ماتْ./ لا. قلْتُ: لا، "أثرُ الفراشةِ" لا يموتْ./ يبقى على حجرٍ على قيدِ الحياةْ./ "أثرُ الفراشةِ" لا يموتْ. **** الجمعة، 8 آب 2008، ظهرًا، تحطّ "طائرتي" على مدرج مطار ليخ فالينسا في مدينة غْدانسك القائمة القاعدة عند البلطيق. مضيفايَ البولونيّان، ميلكا وَيان، ينتظراني في صالة الوافدين. بعد ساعتين إلاّ قليلاً، نصل قرية دوبروفا: بيوت قليلة متناثرة في مزارع يربّون فيها، إضافة إلى نبات الفرح، قمحًا وذرةً وشعيرًا وبطاطا. يعتقد البولنديّون أنّهم هم، لا سواهم، آباء الفودكا الشّرعيّون، فيرتكبون زراعة البطاطا. وللحقّ، لفودكاهم نكهة لا تباريها إلاّ تيكيلا المكسيك. **** بيت خشبيّ جميل، منزّه عن البلازما السّائلة من الشّاشتين لغرض في نفس شيطان الشّعر، يتوسّط غابة كثيفة من أشجار كأنّها تحاول تعسيف سقف السّماء من شعشبون الحضارات، لم أعرف منها إلاّ الملّ والسّرو والصّنوبر، لكنّي أعرف أنّها تكفي جوع الجليل إلى فاكهة الشّتاء حتّى القيامة، تكاد تصغي، في الغابة، إلى صمت مطبق لولا معاكسة الرّيح لأوراق الشّجر أو جرأة المطر على نوافذ عارية من السّتائر. **** إضافة إلى هديّة متواضعة للمضيفين (غير منزوعة النّيكوتين والغلوكوز والكحول)، "أثر الفراشة"، آخر أعمال محمود درويش المنشورة كتابًا، كان الشّيء الوحيد بالعربيّة الّذي يستوطن حقيبة الكتف. قرأته قبل السّفر، غير أنّ "يدًا ما إلهيّة" أومأت إليه. السّبت، 9 آب 2008، عصرًا، صدفة، تكاد تلامس النّبوءة ربّما، تقودني إلى قصيدة "إجازة قصيرة" (ص 181)، مطلعها: "صدّقْتُ أنّي مِتُّ يومَ السّبتِ،/ قلتُ: عليَّ أن أوصي بشيءٍ ما/ فلم أعثرْ على شيءٍ..."، أترجمها لمضيفيَّ على ضفاف قهوة "عربيّة" نسيت أن أصطحبها من البيت، مستجيرًا بنسكافيه دون مبيّضات وقليل من سكّر خوف أن ينفد، لئلاّ أضطرّ للمشي، على ساقين تعتنقان الكولسترول، مسافة كيلومترين، أو أكثر، حيث دكّان قرويّ ذكّرني بدكّان أبي في قصبة حرفيش. **** صباح الأحد، 10 آب 2008، أفتح عجفوني لأجد مكالمات تنتظر معاودة الاتّصال، إحداها من الصّديق الشّاعر مالك صلالحة. اتّصلت بأبي حسين، ولم يكن يعرف أنّي خارج البلاد، ليخبرني برحيل محمود درويش. وقبل أن أنهي المكالمة، كان تنبّه المضيفان إلى ما أصابني من ذهول مصحوب بدمعة حقيقيّة. لم يتمالكا وصارا يحثّاني على الإدلاء بما عندي. قلت: هل تذكران القصيدة الّتي قرأت لكم يوم أمس؟ فقالت ميلكا: "القصيدة عن موته يوم السّبت؟". قلت: نعم، صدقت نبوءته. وأجهشت بالبكاء. **** الأربعاء، 13 آب 2008، مساءً، فراشة خضراء جدًّا، قالت ميلكا، وهي عاشقة للفراش، إنّها لم تَرَ مثلها من قبل، تحطّ على كتاب "أثر الفراشة" الموضوع على المنضدة في المطبخ. ولأنّي كنت، في ما سبق، حدّثت مضيفيّ عن التّقمّص، فقالت ميلكا: قد تكون الفراشة روح ديرفيش جاءت تشاركنا هذا النّبيذ. ولأنّي كنت حدّثتهم عن أهمّيّة هذا الشّاعر وعن رحيله المباغت، قال يان: لكنّه رحل في عزّ قمّته. **** محمودْ درويشْ/ علِّمْني كيفَ يكونُ الشِّعرُ خفيفًا مثلَ النّثرِ، وكيفَ يكونُ النّثرُ حفيفًا مثلَ الشِّعرِ، وتختلطُ الأجناسْ/ علِّمني كيفَ يموتُ الشّاعرُ يومَ السّبتِ، وتنحبسُ الأنفاسُ، تمامًا مثلَ نبوءتِهِ./ وقصيدتُهُ تبقى أثرًا لفراشةِ حبٍّ. تنغلقُ الأقواسُ قليلاً. تنفتحُ الأقواسْ/ علِّمني كيف يكونُ الشِّعرُ بسيطًا مثلَ الرِّيحِ، عميقًا مثلَ البحرِ، جليًّا مثلَ الموتِ، خجولاً مثلَ نبيذٍ يسكرُ كلَّ النّاسْ. علِّمْني.... **** محمود درويش. الآن. هناك. يحتلُّ جناحًا خاصًّا بالشّهداء والشّعراء، في فندقٍ فردوسيٍّ فاخر بثمانٍ وأربعينَ نجمةً على ضفافِ بحيرةِ الحضور والغياب الماكثة، هناك، في أعالي القصيدة. أرى إليه يردُّ على السّؤال: "كيف تكتبُني؟" **** "كيف تكتبُني؟"،/ سألتْهُ القصيدةُ ذاتَ مساءْ./ قالَ: تأتينَ حُلْمًا نقيًّا بلونِ السّماءْ/ في سريرٍ حريرٍ يراودُ طفلَ النّعاسِ: أراكِ غمامةَ عطرٍ بطعمِ النّهارِ، فراشةَ عشقٍ تتمتمُ، نحلةَ شوقٍ تترجمُ، ضَوءًا نبيًّا، قصيدةَ ثلجٍ على شاطئِ الشّمسِ. لكِنَّني لا ألاقي إلى البحرِ دربًا حريرًا، إلى الحربِ ثوبًا حديدًا، أعيدُكِ حبرًا بلونِ السّماءْ. **** قبل محمود درويش، غادرت، من متردّمٍ، سلالة من مبدعين طيّبين (غسّان كنفاني، توفيق زيّاد، إميل حبيبي، نزار قبّاني، إدوارد سعيد، محمّد الماغوط)، والقائمة طويلة كليلنا العربيّ الطّويل. غير أنّ لرحيل محمود درويش، هذا الشّاعر الجميل جدًّا والفلسطينيّ جدًّا والعربيّ جدًّا والعالميّ جدًّا، لرحيله السّابق لأوانه بكلّ المقاييس، حرقة خاصّة جدًّا، لا يضاهيها إلاّ رحيل الأنبياء والقدّيسين. فلتغفري لي زلّتي، يا أمّنا الأرض. ولتغفري لي خطيئتي، يا خالتنا السّماء. **** "على هذه الأرضِ ما يستحقُّ الحياةَ" جنونًا جميل/ بظلِّكَ يا أيّها الشّاعرُ المستحيل. **** محمود درويش، لو قيّض للمؤرّخين الجدد للأدب العربيّ، منذ دارة جلجل حتّى حارة آل درويش في البروة ومرورًا بحيفا وبيروت ورام الله، لو قُيّض لهم أن يعيدوا ترتيب دفاتر أيّامنا وملفّات أحلامنا، لَما تردّدوا، لرفّة جفن فراشة، في أن يطلقوا على عصرنا الأدبيّ الرّاهن تسمية: العصر الدّرويشيّ. **** كم أردتُ، هنا أو هناكْ،/ أن أراكْ./ غيرَ أنّيَ كنتُ هنا. وهناكْ،/ كنتَ. لا. أنتَ ما زلتَ أنتَ، هنا وهناكْ،/ سيّدَ القافلَهْ./ سبعةٌ بعدَ ستّينَ مرَّتْ كما خبرٌ عاجلٌ سالَ من غيمةٍ ماحلَهْ،/ يعلنُ الآنَ عن موعدِ الآجلَهْ./ بغتةً قالَتِ القابلَهْ:/ كُلُّ ظلٍّ على الأرضِ كانَ طويلاً قصيرُ الحياةْ./ ثمَّ قاطعَها ظلُّ مَنْ يعشقُ الأرضَ: لكن، "على هذه الأرضِ ما يستحقُّ الحياةْ". (*) مقاطع من مداخلة تركي عامر، ألقاها خلال أمسية إيقاد شموع لذكرى الشّاعر الكبير محمود درويش، عُقدت في بيت الكاتب أمين خير الدّين (حرفيش، الأربعاء، 20 آب 2008)، أدارها الأديب الدّكتور بطرس دلّة، بحضور عشرات الأصدقاء من حرفيش وبيت جنّ والرّامة وعين الأسد والمغار والبقيعة وكفرسميع ويانوح ومعليا وكفرياسيف وأبوسنان ويركا وعسفيا. وكان شارك فيها بتقديم المداخلات، إضافة إلى العريف والمضيف، كلّ من (مع حفظ الألقاب): نايف سليم، محمّد نفّاع، سليم مخّولي، نور عامر، كمال ابراهيم، مالك صلالحة.