عدد الرسائل: 203 العمر: 67 الإقامة: حرفيش المهنة: كاتب الهوايات: القراءة والكتابة والسياحة تاريخ التسجيل: 06/04/2008
موضوع: شكوى الخميس 15 أكتوبر 2009, 7:35 pm
شكوى
استوقفته زوجته، عند الباب وهو يهمُّ بالخروج، قائلة له: انتظر لحظة، أرى شعرة بيضاء براسك! جفُل وقال في نفسه: تفتيش كل يوم، كأنني على الحاجز، وعين صيّادة، ثمّ مد يده وتحسس شعر رأسه ، ثم عاد إلى المرآة يسألها: قالت له المرآة: - لا بأس، بدأت بالعدِّ التنازلي! - حتى أنتِ يا … - سامحك الله، أتتهمني بالخيانة!؟ - لم أتوقّع منكِ التّشفّي! - كيف أتشفّى بكَ، وأنت أنا، وأنا أنت!؟ - تقولينها بلهجة المؤنبة. - خوفا مني عليكّ.. - تفضحينني كلما وقفت أمامكِ، وتدّعين أنكِ تخافين عليّ!؟؟ - أنا وجهكَ الحقيقي، أصارحك بالحقيقة مهما كانت.. - أنت تتحالفين مع زوجتي! قالت له زوجته: حتى المرآة لا تسلم منك، تتهمها، ولا تصدقها وتكذِّب نفسك!!؟؟ قال: حلف بغداد كان مصيره الفشل، وعكا لا يهمها هدير الحرّ. ثمّ خرج مسرعا، لا يلتفت إلى الوراء، ينظر إلى ساعته في يده.. ثم دخل المقهى الوحيد في الشارع، واتخذ مجلسه في زاوية يلفها ظلام شفاف، جلس يبدو عليه القلق والتوتر، ينظر بين الحين والآخر إلى الساعة الكبيرة على الحائط المقابل له، وعندما لم يجد الراحة عند الساعة الكبيرة، أخذ ينظر إلى الساعة في يده.. ثم طلب مشروبا باردا، يطفئ به النار التي تحرق أعصابه، وعندما طال انتظاره ولم يسعفه المشروب البارد، وازدادت اعصابه احتراقا، طلب زجاجة بيرة باردة، والتهمها بعصبية، ثم التهم الثانية والثالثة، حتى غرق في بحر أفكاره، ونسي ما كان ينتظر، ودخل في حوار مع نفسه، فقال لها: - سأشتري ورقة يانصيب! - حظّك واضح من أول النهار! - سأربح الجائزة الأولى، وسأشتري سيارة مرسيدس حمراء، وتذكرة سفر إلى القمر، وقطعة أرض تطل على الشمس، وعلى الجنة وقريبة من الله! - مثلنا يسلبونه أرضه! - في الجنة كلنا سواسية! - التذاكر إلى القمر من نصيب العالم الأول، ونحن بيننا وبين العالم الأول ما بيننا وبين أبعد الكواكب في المجموعة الشمسية! - أتوجه إلى مجلس الأمن . - مجلس الأمن لا أحد يعيره اهتماما غيرُنا! - أرفع وجهي إلى الله وأشكو له أمري! - ستلقى مقاومة ممن يعتبرون أنفسهم مكانه على الأرض! - ليس بين الله وعباده وسطاء أو أوصياء! - وإذا أدرت وجهك نحو الله، فممن ستشكو؟؟ - سأشكو زوجتي التي لا تتقيد بدوام، فتفتشني كلما عبرت الباب، وحبيبتي التي أنتظرها أكثر من نصف قرن، وسأشكو الآباء الذين يتناولون فطورهم على أجساد بناتهم القاصرات، والرجال الذين يتاجرون بجسد المرأة لإطفاء الحرائق، وتجار المخدرات الذين يغتالون أبناءنا في غفلة من عيوننا، وممثلينا الذين يتنكرون وينكرون أصلهم ، ويرافقون المعتدي على مقدساتنا، ويسبون شعبهم ليرضوا حكامهم ورؤساؤنا أنصاف الأميين منهم، الذين يتمتعون بضياعنا، ورئيس البلدية الذي وظّف أبناءه وزوجاتهم وبناته وأزواجهن، ثم وظّف بيوتهم والساحات الواسعة أمامها، ومدارسنا التي لا تتقن لغة الأم، وترفع مقولات لمتهمين بجرائم حرب، والعلوم التي كان آباؤنا يحركون دفّتها، فانقلبت عليهم مع الريح ورمتهم في بحور الجهل، والمياه التي كانت في بطون جبالنا، فاستغفلتنا، وتسربت إلى حيث لا نعلم أين استقرت. وسأشكو أرضنا التي تسللت من تحت رؤوسنا، وانتقلت تحت أقدام غيرنا، وأقدّم عرضا طويلا بقرارات مجلس الأمن خلال ستة عقود، والتي كانت لصالحنا، وتحوّلت لصالح غيرنا. وعندما ذكر مجلس الأمن ضحكت نفسه، وارتفع ضحكها، وتحوّل إلى قهقهة هستيرية، لفتت نظر الناس حوله، فتجمعوا، وتكاثروا، ولم تتوقّف نفسه عن الضحك، إلاّ عندما وصلت زوجته ونهرته فسكت. وعندما أحس بالصمت، استفاق من أحلامه، وعاد مع زوجته التي أمرته بالنهوض، فمشى معها كطفل تقوده أمه من يده إلى السوق لتشتري له بذلة العيد
_________________
لأني أُحِبُّ شعبي أحببت شعوب الأرض لكني لم أسْتطعْ أن أُحبَّ ظالمًا
عدل سابقا من قبل أمين خير الدين في الخميس 29 أكتوبر 2009, 3:07 pm عدل 1 مرات
تركي عامر حالم ورقستان
عدد الرسائل: 5344 العمر: 54 الإقامة: ورقستان المهنة: مجرم حبر الهوايات: معاقرة الحبر ومقارعة الورق تاريخ التسجيل: 22/02/2007
موضوع: رد: شكوى الخميس 15 أكتوبر 2009, 9:37 pm
بطل "شكوى" أمين خير الدّين يتجاذبه عدد من من القوى أو القوّات هي:
تقادم العمر أو مرور الزّمن (ورمز له بالشّيب)، المرأة (رمزًا لرفيقة درب تقوم بدور الرّقيب أو المراقب ولكن برفق المحبّ)، المرآة (رمزًا للحقيقة والمصارحة مع النّفس: "أنا وجهك الحقيقيّ")، التّاريخ (ورمز له بحلف بغداد وعكّا وموج البحر وسواها من تلميحات)، الزّمان (ورمز له بالخروج/ عدم الالتفات إلى الوراء/ ساعة اليد/ السّاعة الكبيرة)، المكان (ورمز لها بالشّارع والمقهى وزاوية يلفّها الظّلام).
أمّا السّكر المتعمّد، حدّ الغرق في بحر تتلاطم وتتراطم فيه الأفكار والأوهام والتّهيّؤات والأحلام، فرمز للمنظومة الدّفاعيّة الوحيدة الّتي يلجأ إليها بطل "شكوى"، وهو المواطن العربيّ العاديّ والبسيط في هذا الزّمان الرّديء بكلّ المعاني.
ورقة اليانصيب، رمز للجوء بطل "شكوى"، وهو الإنسان العربيّ في هذه الحال، إلى ضربة حظّ (من غامض العلم أو حامض الحلم) علّها تصيب أو تخيب، بعد أن خابت كلّ الجهود الدّبلوماسيّة والعسكريّة في حلحلة ما نحن فيه من تردٍّ وتعثر وسوء طالع وتردّد منذ مطالع القرن السّابق على الأقلّ.
أمّا الذّين سيشكوهم عند مجلس الأمن أو مجلس الكون (سيّان)، فيمثّلون رموزًا لقوى التّفتيش والاستبداد والظّلم والاضطهاد الّتي تعترض حياته على الطّالع واالنّازل (يوميًّا وقوميًّا/ شخصيًّا وتاريخيًّا/ روحيًّا وجسديًّا)، ولا أحد يسعف ولا شيء يعين.
أمّا تجمهر النّاس حوله، فرمز إلى أننّا تحوّلنا إلى فرجة، لا لشيء إلاّ لأنّنا نقول الحقيقة. وهؤلاء النّاس، مثلنا جميعًا وهم منّا وفينا، واقعون في ما واقع فيه بطل" شكوى"، غير أنّهم لا يجرؤون على مصارحة أنفسهم بالحقيقة، أو أنّهم يدحشون رأسهم في الرّمل ولا يرغبون في مصارحة أنفسهم حتّى أمام مرآة في المنام، لا كرهًا للحقيقة، بل خوفًا من خسارتهم لبعض "امتيازات" تؤمّن لهم راحة بال يوميّة، يعتقدونها ضفاف الجنّة.
وأمّا وصول زوجته، في الأخير، كي تلملمه من أمام النّاس، فرمز لحرج الأسرة من "سكر" أحد أعضائها، حرج الأسرة من أن يصرّح بطل "شكوى" بحقيقة جارحة أو مرّة، حرج الأسرة من "أحلام" لا تقرّها الجماهير العريضة، حرج الأسرة من أنّ أحد أعضائها "يعزّر" عليها بين النّاس. وكأنّي بالزّوجة، هنا، تمثّل الأنظمة العربيّة "المعتدلة" الّتي تُصاب بالحرج من سلوك قوى المقاومة والممانعة، فتسارع إلى لملمة الخيوط أو لفلفة الطّابق لئلاّ يزعل الأصدقاء في أعالي البحار.
أمّا موضوعة العيد وبذلة العيد، فرمز إلى أنّنا، رغم كلّ انكساراتنا وهزائمنا المتكرّرة، ما زلنا نعيّد وكأنّ شيئًا لم يحدث.
أستاذي وصديقي الكاتب أمين خير الدّين، سلمت يداك لهذه الـ "شكوى" البارعة.
_________________
يحيى عامر ورقستاني (ة)
عدد الرسائل: 154 العمر: 38 الإقامة: حرفيش المهنة: أعمال حرة الهوايات: أدب، ثقافة، علوم، حاسوب تاريخ التسجيل: 08/07/2009
موضوع: رد: شكوى الجمعة 16 أكتوبر 2009, 3:36 am
استاذي الكريم امين خير الدين المحترم كنت احترمك وانا على مقاعد الدراسه وما زلت وسابقى حتى زفيري الاخير اشكرك جزيل الشكر على هذا الطرح المميز وعلى هذه الشكوى ، التي تمتعت بقراءتها متعمقا باسرار معانيها وما وراء السطور احترامي وتقديري لك تقبل مروري
أمين خير الدين مشرف (ة)
عدد الرسائل: 203 العمر: 67 الإقامة: حرفيش المهنة: كاتب الهوايات: القراءة والكتابة والسياحة تاريخ التسجيل: 06/04/2008
موضوع: رد: شكوى الجمعة 16 أكتوبر 2009, 11:03 am
أخي تركي ما أسعدني بشهادة قارئ مميز يغوص في لاوعيي لينتشل من أرشيف النسيان والللاوعي ما تراكم مع الأيام وينبهني إلى غِنى لاوعيي الغني بهذه التراكمات المتفجرة وأنا سعيد إذ استطعت أن أُثير فكر قارئ مميز كتركي عامر ومحرج أنا لعدم استطاعتي إيفائك من الشكرعلى مرورك الكريم في أي مكان وأي زمان ولأي نص على كلماتك العذبة الرقيقة كالنسيم المنعش التي تنز بالمحبة والأخوة لك مني خالص الشكر والتقدير
أمين خير الدين مشرف (ة)
عدد الرسائل: 203 العمر: 67 الإقامة: حرفيش المهنة: كاتب الهوايات: القراءة والكتابة والسياحة تاريخ التسجيل: 06/04/2008
موضوع: رد: شكوى الجمعة 16 أكتوبر 2009, 11:06 am
أخي يحيى عامر كم أنا سعيد بوجودك وبنشاطك ومساهماتك الثمينة لك مني المحبة والتحية والتقدير والشكر
هيام أبو الزلف ورقستاني (ة)
عدد الرسائل: 238 العمر: 49 الإقامة: دالية الكرمل المهنة: معلمة الهوايات: شعر - مطالعة - إنترنيت تاريخ التسجيل: 25/05/2009
موضوع: رد: شكوى الجمعة 16 أكتوبر 2009, 1:50 pm
أمين خير الدين كتب:
شكوى
وعندما ذكر مجلس الأمن ضحكت نفسه، وارتفع ضحكها، وتحوّل إلى قهقهة هستيرية، لفتت نظر الناس حوله، فتجمعوا، وتكاثروا، ولم تتوقّف نفسه عن الضحك، إلاّ عندما وصلت زوجته ونهرته فسكت. وعندما أحس بالصمت، استفاق من أحلامه، وعاد مع زوجته التي أمرته بالنهوض، فمشى معها كطفل تقوده أمه من يده إلى السوق لتشتري له بذلة العيد
أستاذي الكبير أمين خير الدين ألف تحية لك لقد صورت لنا بأمانة كبيرة، عدّة صراعات واجهها بطل القصّة على مختلف الأصعدة، وهو شخصيّة نمطيّة تمثل كل فرد في مجتمعنا، إلى حدّ يمكن القول أنها ترمز إلى المجتمع برمته. أما المفارقة الحقيقية فهي نيّة الشكوى إلى مجلس الأمن، ففي الضحكة التي تحولت إلى قهقهة هستيرية كثير من المرارة وخيبة الأمل، فمجلس الأمن أثبت أنه ليس العنوان لطلاب العدالة، بل إنه السبب في اتساع الهوة بين أبناء الأسرة الدولية الواحدة فهو يطبق العقوبات على من يحلو له، فيمعن ابنه الفاسد المدلل في طغيانه. أما العنوان الذي جاء كلمة مفردة غير معرفة (شكوى) فيبرز عقم التجربة، وعدم الجدية في خوضها. دمت مبدعا أستاذ أمين وإلى المزيد
مسعد خلد مشرف (ة)
عدد الرسائل: 239 العمر: 46 الإقامة: بيت جن المهنة: مدرس الهوايات: المطالعة تاريخ التسجيل: 27/10/2008
موضوع: رد الجمعة 16 أكتوبر 2009, 4:10 pm
الأستاذ أمين خير الدين المحترم سلمت يداك وقد أثبتتّ في طرحك المميز أن الشكوى لغير الله في هذا الزمن الرديء هي فعلا مذلــّـة! ودمت سالما مبدعا!
أمين خير الدين مشرف (ة)
عدد الرسائل: 203 العمر: 67 الإقامة: حرفيش المهنة: كاتب الهوايات: القراءة والكتابة والسياحة تاريخ التسجيل: 06/04/2008
موضوع: رد: شكوى السبت 17 أكتوبر 2009, 10:56 am
ألأخت الكريمة هيام أبو الزلف صباح كله خير وتحية الواقع المر يفرض نفسه وصورته وتصويره، ويحرك مشاعر الأموات في قبورهم ، ويضحكهم من معايير هذا الزمن الباهت مجلس الأمن ذو ألف مقياس ومقياس وألف مكيال ومكيال والف معيار ومعيار ، ليس إلاّ قبلة للضعفاءالذين أداروا ظهورهم للتاريخ ولشعوبهم وصاروا يتقنون البكاء على طاولات مجلس الأمر الواقع ، فهو لا يعطي أمنا إلا للأقوياء
أما بالنسبة للعنوان كلمة مفردة توحي بالاستهزاء قد يكون صحيحا لأن الشكوى لا تفيد ، من يخضع للقوة لا يستعيد كرامته وحقوقه إلا إذا أصبح قويا "رحم الله من قال في هذا المعنى" ألف تحية وألف تقدير وألف شكر
أمين خير الدين مشرف (ة)
عدد الرسائل: 203 العمر: 67 الإقامة: حرفيش المهنة: كاتب الهوايات: القراءة والكتابة والسياحة تاريخ التسجيل: 06/04/2008
موضوع: رد: شكوى السبت 17 أكتوبر 2009, 11:00 am
أخي مسعد كم أنا مشتاق لحروفك ولشخصك قد اكون أنا المقصّر وأنت القريب القريب مرورك اسعدني فلك الشكر والتحية والتقدير