تبقى صديقي رائداً في السرد والقص كما أنت رائد في استنباط ذاكرتي كلما قرأتك...
ومن هنا، وحتى لو لامني البعض، لا يسعني إلاّ أن أهتف لك: يا توأم الروح...
أتعرف لماذا..؟؟؟
لأنك أعدتني بالذاكرة إلى بانياس الجولان، يوم كان والدي رحمه الله يخدم في الجيش في جولاننا الحبيب، وكان نادراً ما يحضر للبيت، لكنه كان يقرأ ويكتب بينما والدتي أطال الله بعمرها كانت أميّة لا تعرف القراءة ولا الكتابة، لكنها كانت نبيهة الحس والذاكرة تلتقط فوراً في ذاكرتها كل ما كان والدي يعلمني إياه من قراءة وكتابة، فتحفظه فوراً، وتعيد على مسامعي قراءة الدرس لأحفظه قبل أن أذهب للمدرسة في اليوم التالي، لا سيما عندما يكون الوالد غائباً، وتبقى هكذا حتى أحفظه عن ظهر قلب، ولم أعرف أن والدتي لا تعرف القراءة إلاّ بعد فترة متقدمة من دراستي، لأنها كانت تتابع تعليمنا في غياب الأب، وتوهمنا أنها تعرف ماذا نفعل في المدرسة حتى لا نتأخر في دروسنا أو نتراجع... فكم هو عدد أمهات اليوم اللواتي يولين اهتماماً لدراسة الأبناء في ظل الفضائيات وبرامج الموضة والتجميل والسهرات..؟
كأنني أتخيل مشهد جلوسك إلى جوار الوالدة وهي تقرأ لك وأنت تصغي باهتمام، وأعتقد هذا هو أساس الموهبة الأدبية لديك، والدة فاضلة غرست في روحك وذائقتك حب الأدب والقراءة والعلم.. وصدق الشاعر حينما قال:
الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق
أنت وصفت السيدة الوالدة أطال الله بعمرها وكما قلت:
( أطال الله بعمرك يا أمي وأسأله تعالى أن أراك بعد هذه السنوات الطويلة التي تقارب العشرة، والتي حرمني الاحتلال فيها من رؤيتك، فقد كنت المعلمة الأولى وما زالت.
مساء الأمس رشرش المطر في رام الله وازداد في الليل وهدأ في الصباح إلا من قطرات متناثرة، بينما كان عصراً شتاء وبرق ورعود في شمال فلسطين، فأثناء حديث هاتفي مع كاتبة صديقة من عمقنا الفلسطيني، كان صوت المطر والرعد قوياً جداً، فقلت لها ننتظر غيوم الخير والغيث من الله ومن عندكم، لكن المطر الذي وصلنا كان شحيحاً، ولعل الله يمن علينا بالغيث حتى تروي الأرض والينابيع، ولعل النفوس تتطهر، والأرض تغتسل من أثار القدم الهمجية التي ما فتأت تقتحم المدن والمخيمات، تقتل وتدمر وتخرب، تعتقل وتجرح وتأسر، ونحن ما زلنا نتراشق التهم واسطوانات التكفير والتخوين، بلا خجل ولا أحاسيس ولا انتماء لوطن أو قضية.
صباح آخر أجمل، حمائم وعصافير وهواء نقي مشبع برائحة المطر، وشوق لطيف غائب لكنه البعيد القريب، حروف خمسة تسكن الروح والقلب، لفافة تبغ وفنجان قهوة والمطر يدق نافذتي)
وهنا للمطر بوح آخر... وشجن آخر في الروح والنفس...
أحس أن المطر يغسل الروح أكثر مما يغسل الجسد...
وينقي النفس أكثر من أي أمر آخر نسعى إليه
فالمطر هو حبي وعشقي الأبدي
معه أعود طفلة مشاكسة تخرج رغماً عن الأهل للتطهر بقطراته الرائعة...
دامت ذاكرتك صديقي وتوأم روحي وذاكرتي
دام سردك يفتح في الروح والذاكرة نوافذ تعمق الأصيل في حياتنا