عدد الرسائل: 791 العمر: 54 الإقامة: رام الله تاريخ التسجيل: 27/02/2007
موضوع: رد: صباحكم أجمل الثلاثاء 31 مارس 2009, 8:39 pm
إيمان أحمد ونوس كتب:
:GlitteringFlow
من أجمل اللوحات التي رسمتها لنا زياد
في صباحاتك الجميلة..
ومن اجمل المقطوعات الفيروزية والتي تتناسب مع لوحتك هذه..
لقد ارتحلت بنا صديق الروح إلى أماكن أحسست وانا أقرأ أنني أن التي تتجوّل في هذه الأمكنة..
وأنني أعرفها منذ أزمانٍ غابرة
لما لك من أسلوب رائع في الوصف والرسم بالكلمات
دمت توأم الروح والفكرتنقلنا من مكان لآخر
نتزوّد بتاريخه وتراثه وجمال حاضره
لكن مع غصّة في الروح
لما وصلنا إليه من شلل وتشرذم وفرقة...
:GlitteringFlow
وكنت معي ايمان الست صديقة الروح وتوأمها والتوائم لا تفترق وحقيقة أتمنى لك زيارة القاهرة والتمتع بالجمال بالروح هناك بعبق التاريخ وحكايات التاريخ ومهما كتبت سأبقى قاصرا هل تذكرين ما كتبت عن يوميات دمشقية في أربعة حلقات أضطررت أن أقول في عنوان الحلقة الرابعة- يوميات دمشقية الحلقة الرابعة والأخيرة رغم ما جره ذلك من احتجاجات لوأد اليوميات الدمشقية في أربعة حلقات فأشعر كم سيكون صعبا حين أختم صباحات القاهرة استعداد لزيارتنا القادمة لربوع سوريا بعد أن أعود لعمّان من رام الله والتي ستبدأ في محطتها الأولى في قطنا في بلدتك وزيارتك واسرتك الرائعة فزيارة لسوريا بدون أن تكتحل عيوننا برؤياك ستبقى ناقصة قبل التوجه شمالا لحمص وحلب وحماة ومعرة النعمان وربما اللاذقية ورغم كل التمزق والتشرذم الذي خلقته السياسات تبقى أرواحنا العربية متحدة محلقة تحلم بالصباح الأجمل زياد
عدد الرسائل: 791 العمر: 54 الإقامة: رام الله تاريخ التسجيل: 27/02/2007
موضوع: صباحكم أجمل/ وللقاهرة عبق وجمال آخر.. يوميات من القاهرة 3 الأربعاء 01 أبريل 2009, 8:28 am
مسجد السلطان حسن في القاهرة
بعدسة: زياد جيوسي
صباحكم أجمل/ وللقاهرة عبق وجمال آخر..
يوميات من القاهرة 3
بقلم: زياد جيوسي
واصلت القاهرة سحرها واستلاب روحي، لم تترك لي لحظة بدون تحليق، تجولت فيها وجالت بروحي، فكانت روحي تجول عبر سحر القاهرة وعبق النيل، لا أشعر بالتعب إطلاقا رغم كثافة البرنامج اليومي، لم تفارقني رام الله وعمّان وروح طيفي أبداً، ولم يفارقني الأصدقاء الذين التقيت بهم هناك، من التقيت بالسابق ومن تواصلت أرواحنا عبر الحروف والجمال وعالم الكتابة والحرف، فمن ليس معي بجسده وروحه تواصلني عبر الهاتف، فغمرني أهل أرض الكنانة/ أهلي بطيبتهم وجمال روحهم وحسن الضيافة وكرمها، فزادوا من بهاء القاهرة ومصر في الروح، فتجذرت في القلب وسكنته بجمالها والروعة والطيبة والمحبة.
ما أن خرجت وصديقي الرائع الأستاذ يحي حسن المذيع المعروف ومقدم البرامج في إذاعة صوت العرب من بوابة القلعة، حتى كنت أستدير بوجهي ونحن نركب سيارته وألوح للقلعة هامساً: سيكون لنا لقاء من جديد، فسحر القاهرة وأرض الكنانة لا يقاوم، لأتجه مع صديقي المضياف ذو الروح المحلقة إلى مسجد السلطان حسن، ومن ثم مسجد السيدة عائشة، ونجول في تلك الأحياء القديمة التي تروي كل حجارتها حكاية مضخمة بعبق التاريخ والأصالة، فكل ما قرأته عن تلك الأماكن لم يستطع إلا أن يزرع الحلم بلقاء المدينة الحلم/ القاهرة في الروح، لكنه لم يتمكن أبداً من أن يمنحني أحاسيس الجمال والروعة في التجوال.
كانت الحكاية تتواصل، وكل مكان نزوره يروي فصلا من الحكاية حتى وصلنا لأول مسجد في تاريخ القاهرة، مسجد الصحابي عمرو بن العاص، فانسكب التاريخ شلالات من جمال تروي حكاية مرحلة جديدة وحضارة أخرى من تاريخ مصر والعرب، فكل أعمدة هذا المسجد الضخم تروي فصولا من الرواية، تجولت فيه وعدسة التصوير لا تتوقف عن التقاط الصور، والروح لا تكف عن التحليق عبر عبق التاريخ ومجده، فليس أجمل من المكان حين يحكي الحكاية، يروي فصولا من رواية بدأت وليس لها نهاية طالما الدنيا قائمة، طالما الأرض تدور.
من باحة المسجد إلى محيطه والجمال، إلى الحي المحيط به ثم لأحياء جُلناها بالسيارة بين قديم وحديث، لنتناول العشاء في مطعم أبو رامي الشهير والمختص بأصناف محددة، لنواصل السهرة والراحة والحديث في مقهى يمازج بن القدم والحداثة، يحمل اسم نارجيلة الباشا، فجلسنا وصديقي يحي حسن في حوار جميل حول التاريخ وعبق الجمال، الحاضر وحلم المستقبل، لأعود لمقر إقامتي متوقعا بعد إرهاق الجولة أني لن أصحو في الصباح.
في الصباح التالي كنت أصحو مبكرا كالعادة، نشطاً متهيئا للمغادرة والتجوال، جلست للشرفة ورافقتني رام الله وعمّان وطيفي، نحتسي القهوة العمّانية، نتداول الهمس الروحي، نستعيد ما رأينا ونحلم بما سنرى، وما أن أنهينا فنجان القهوة وسماع فيروز رفيقة كل صبح حتى كنت أجول سيرا على الأقدام على جسر قصر النيل، أو كما يسميه الأهل في مصر "كوبري" قصر النيل، هذا الجسر الذي يربط ضفتي النيل كغيره من الجسور، تحرسه أسود أربعة على مداخله من الجانبين، ويقف سعد زغلول يشير بيده من جانب، ليلتقي عمر مكرم في ميدان التحرير من الجانب الآخر، يرويان معا قصة نهضة مصر الحديثة وعبق طيبها والجمال، وللتجوال على هذا الجسر جمال خاص، فأنا أسير عليه وإلى ميدان التحرير بدون ارتباط بمواعيد مع أصدقاء من الكُتاب كما في زيارة سابقة في الأيام التي سبقت، أجول وحدي وروح طيفي وهمساته ترافقني، فأنظر للنيل من حافتي الجسر، أقف مطولا متلقياً نسمات عبق النيل ترد لي الروح، أتأمل هبة الله لمصر أرض الكنانة، فجعل الله فيه آية وجعل من الماء كل شيء حيّ.
أتأمل النيل وحوافه والشطآن، تدخل روحي تشابيه جمالية كثيرة، فأحمد الله الذي أطعمني زيارة مصر وتحقق الحلم بزيارة المدينة الحلم، وأستعيد عبق التاريخ منذ انبثقت روح الحياة في هذه الأرض، وأجلس بعد التجوال الطويل الذي بدأ من حي الدقي حيث أقيم فميدان المساحة فميدان الدقي إلى شارع التحرير وجسر قصر النيل فميدان التحرير، أجول الشوارع المحيطة وميدان طلعت حرب، أتجول على المكتبات فيه وفي المناطق المحيطة، ثم أعود لميدان التحرير وأجلس على حافة قاعدة تمثال عمر مكرم، أتأمل الميدان والمباني، وجامعة الدول العربية، فيأخذني الحُلم إلى أمل أن تصبح يوماً مقراً للوحدة العربية، التقط صوراً لكل ما شدني في المنطقة، أستل قلمي ودفتري وأبدأ بالكتابة في ظلٍ منحني إياه التمثال، فقد ارتفعت حرارة الشمس وكنت بحاجة للظل والراحة، أتأمل حركة البشر والازدحام الكبير، حركة السيارات واكتظاظها الهائل، فأكتشف أن ذروة ازدحام شارع وصفي التل في عمّان وازدحام رام الله بين ميداني المنارة والساعة ليسا أكثر من نزهة مقارنة بما أراه، فأبتسم وأنا أرى في الحديقة حولي وفي الشارع أمامي الشباب والشابات يتأبطون أذرع بعضهم، يحلمون بالغد ويتجولون في الحديقة، أتأمل كباراً في السن يستظلون إما تحت ظل شجرة أو بظل السور أو التمثال، إلى أجانب يلتقطون الصور ويرتاحون من تعب التجوال، فأجلس حتى يأتي موعدي مع الصديقة الكاتبة التي جمعنا الحرف معاً، الطيبة هدى أم بتول، فنجول معاً ونحتسي القهوة في جروبي، ونتجول في الشوارع وفي ميدان طلعت حرب، ثم تأخذني بجولة في سيارتها تعرفني بشوارع القاهرة في المساء في مدينة لا تنام، حتى تعيدني إلى مكان إقامتي فأودعها على وعد بلقاء آخر قبل السفر، قبل العودة لأحضان عمّان الهوى ورام الله العشق والجمال، وأستعد لزيارة الأهرام في اليوم التالي الجمعة، بدعوة من صديقي خالد وتوأمه ياسمين، فقد أجل سفره للبعيد من جديد، من أجل أن يمتعني ويجعل روحي تحلق في عظمة الأهرام ولقاء أبو الهول.
صباح عمّاني جميل بنسمات باردة وشمس مشرقة، بعد عودتي من القاهرة في فجر يوم الأحد التاسع والعشرون من آذار، أجلس لشرفتي أحتسي قهوتي أستذكر معرضاً فوتوغرافياً يحمل اسم "تفاصيل" حضرت بالأمس افتتاحه في مركز رؤى في عمّان للفنان والكاتب والصديق هاني حوراني، فأستذكر تفاصيله الصغيرة وجمال روحه، وأنوي زيارة أخرى فإبداع جمال عين هاني حوراني لا تكفيه زيارة واحدة، ويحتاج إلى كتابة تدخل في عمق تفاصيله سيكون لي معها لقاء، وتلفني أنفاس طيفي وحروفي الخمسة الأجمل، أكتب عن القاهرة وما زال في الذاكرة الكثير، فروحي ما زالت هناك تجول، وجسدي هنا يرتاح بعد جولة كانت عبارة عن حلم، أستمع لشدو فيروز:
"راجعٌ من صوب أغنية يا زمان ضاع في الزمن، صوتها يبكي فأحمله بين زهر الصمت والوهن، من حدود الأمس يا حلماً زارني طيراً على غصني، أي وهم عشت به كنت في البال ولم تكن، أنا يا عصفورة الشجن مثل عينيك بلا وطن، أنا لا أرض ولا سكن، أنا عيناك هما سكني".
عدد الرسائل: 1145 العمر: 50 الإقامة: سورية المهنة: موظفة وصحفية الهوايات: القراءة، المشي، والكتابة بكل أشكالها تاريخ التسجيل: 26/06/2007
موضوع: رد: صباحكم أجمل الجمعة 03 أبريل 2009, 7:42 pm
((أنا يا عصفورة الشجن مثل عينيك بلا وطن، أنا لا أرض ولا سكن، أنا عيناك هما سكني))
الله ما أجمل هذا المقطع الصغير من تلك الأغنية الفيروزية، والتي طالما أرددها بيني وبين نفسي... لكن الأجمل هو وصفك الرائع للأماكن... للأصدقاء... وللأيام تجعلها ذاكرة ملونة بالمشاعر والحميمية، حتى ليكاد القارئ يشعر بأنه طيفك أبداً... دمت زياد بكل الألق والذاكرة النقية.. وأنا ما زلت أنتظر قدومك وأم مصطفى بكل الشوق.
زياد جيوسي مشرف (ة)
عدد الرسائل: 791 العمر: 54 الإقامة: رام الله تاريخ التسجيل: 27/02/2007
موضوع: رد: صباحكم أجمل الأربعاء 08 أبريل 2009, 11:42 am
[quote="إيمان أحمد ونوس"]
((أنا يا عصفورة الشجن مثل عينيك بلا وطن، أنا لا أرض ولا سكن، أنا عيناك هما سكني))
الله ما أجمل هذا المقطع الصغير من تلك الأغنية الفيروزية، والتي طالما أرددها بيني وبين نفسي...
لكن الأجمل هو وصفك الرائع للأماكن... للأصدقاء... وللأيام
تجعلها ذاكرة ملونة بالمشاعر والحميمية، حتى ليكاد القارئ يشعر بأنه طيفك أبداً...
دمت زياد بكل الألق والذاكرة النقية..
وأنا ما زلت أنتظر قدومك وأم مصطفى بكل الشوق.
[/quo
الغالية ايمان وأنا وأم مصطفى بشوق لزيارتك ونعمل على ترتيب امورنا للزيارة شكرا لحروفك المحلقة كروحك فالمكان يأسرني وخاصة اذا تمازج الجمال مع عبق التاريخ فكانت القاهرة انموذجا جميلا من الأمكنة التي ترافق الروح جلت بها وطيفي وكل أحبتي من القلب لك المحبة والود زياد
عدد الرسائل: 791 العمر: 54 الإقامة: رام الله تاريخ التسجيل: 27/02/2007
موضوع: رد: صباحكم أجمل الأربعاء 08 أبريل 2009, 11:44 am
ابو الهول حارس التاريخ والأهرامات
بعدسة: زياد جيوسي
صباحكم أجمل/ بهية يا مصر
يوميات من القاهرة 4
بقلم: زياد جيوسي
أغادر عمّان الهوى ، أشعر أني أترك روحي فيها، متجهاً إلى رام الله صبيحة الأحد الماضي لاسترداد الروح هناك، بعد أن اختتمت وجودي في عمّان مساء الخميس مع زوجتي بحضور فيلم "عودة الحكي" للمخرج الشاب أصيل منصور في قاعة المركز الثقافي الملكي، ولقاء العديد من المخرجين الشباب وفي مقدمتهم هناء الرملي، والتقي بالمصادفة الجميلة الصديقة أمل التي لم التقيها منذ ثمانية عشر عاماً، وأحظى بالحصول على عدد من النسخ لأفلام سمعت بها ولم يتاح لي أن أحضرها، للمخرج الشاب أصيل منصور وفيلم الأيقونة للمخرجة هناء الرملي، مما سيتيح لي الفرصة للاطلاع على هذه التجارب والكتابة عنها، لنواصل الحديث بعد الفيلم بجلسة في مقهى جميل في شارع المدينة المنورة، جلسة غمرتني بالفرح والجمال. وفي مساء السبت كنت التقي في قاعة المدينة في قلب عمان إبداع على شكل لوحات مطرزة بالتطريز الفلسطيني الأصيل تحكي حكاية فلسطين منذ الأزل، صاغتها روح وأصابع الفنانة الصديقة زهيرة زقطان تحت اسم "كنعانيات" برفقة زوجتي والصديقة الرائعة أسمهان والشاعر الجميل زهير زقطان، لنكمل جلستنا في مقهى لطيف في جبل عمان، وبعدها أغادر وزوجتي لارتباط بدعوة عشاء في مطعم جميل ومتميز في أم أذينة، لنعود للبيت وأبدأ بتجهيز نفسي للسفر ومعانقة رام الله من جديد.
مصر.. ليس من السهل لإنسان أن يزور أرض مصر ولا يسحر بجمالها وبهائها، وليس من السهل أن لا تحيط القاهرة بكل جوانحها ودروبها وسحرها روح كل زائر، بحيث يصبح لديه حالة وجدانية من العشق أن يبقى فيها ولا يغادرها أبداً، كانت هذه مشاعري وأنا أتوجه لزيارة الأهرامات صبيحة الجمعة العشرون من آذار/ مارس، فالأهرام من أكثر ما عرفنا عن مصر وأرض الكنانة من خلال الدراسة والصور، وما زلت أحتفظ بالعديد من المقالات عن أسرار الأهرام قرأتها عبر سنوات من الزمن، فلذا كانت زيارة الأهرام مسألة أساسية لا يمكن أن أفوتها أبداً، وحين أخبرني صديقي الرائع خالد عن نيته بالسفر انتابني شعور بالوحدة وأني إن زرت الأهرام قد أكون وحيداً، ولكنه أعلمني باليوم الثاني أنه قرر تأجيل الرحيل كي يرافقني للأهرامات ثم يسافر، فسعدت لذلك أيما سعادة، فكان صباح الجمعة موعدنا فأفطرنا إفطاراً شهياً أعدته طيبة الروح والقلب توأمه ياسمين، لنمتطي السيارة متجهين للهرم، مبكرين كي نكتسب بعضا من الهدوء في التجوال وقبل أن تسيطر على الجو حرارة الشمس.
حين رأيت الهرم الأكبر من بعيد شعرت بإحساس غامض، فها أنا التقي أحد أعظم الحضارات في تاريخنا وتاريخ مصر، حضارة حيرت عقول العلماء وما زالت أسرارها لم تكشف بالكامل، فسادني صمت كبير ودهشة، وحين همست لي ياسمين: ما رأيك وانطباعك الأولي، قلت لها: يقفز لذاكرتي عبارة لأم كلثوم في أحد أغانيها تقول فيها: "وحديث في الحب إن لم نقله أوشك الصمت حولنا أن يقوله"، فالكلام يصمت أمام هذا الإبداع والحضارة العظيمة، هذا ماضي أمة أبدعت وتسامت، فلماذا لا يواصل الأحفاد المسيرة ويبنوا على أسس ما سبق ليبدعوا حضارة أخرى معاصرة مميزة.
جولة طويلة في الأهرام لا يمكن أن تنتهي بدون لقاء أبو الهول، كنت قد قلت لأصدقائي ونحن في الطريق: لا تنسوا أن أرى أبو الهول فلدي موعد معه، وحين نظروا باستغراب قلت لهم: هو صديقي ولدينا موعد قديم آن الوقت للوفاء به، وحين وقفت أمام أبو الهول كنت أشعر أني أقف أمام حارس التاريخ في مصر، الصامت الشاهد على مر العصور، شعرت به يهمس لي ويتحدث عما رأى، يقول لي: لم تكن الأهرام معجزة ولكنها إبداع شعب حضاري تسامى بقوة في ظل ظروف صعبة، فواصلوا المسيرة أنتم الأحفاد فليس هناك من معجزات أمام قوة الإرادة والتصميم.. وشعرت بنفسي أهمس له وأسائله حتى انتبهت ياسمين فتساءلت عما أتمتم، فقلت لها: أبو الهول صديقي ويحدثني، ألم تسمعي ما يتحدث به؟ فدهشت وقالت: انتم الكُتاب مجانين..
بعد استراحة في مقهى عدنا للتجوال وعدت لالتقاط الصور قبل أن نغادر وساهمت الريح التي هبت وأثارت عواصف من الغبار في أن نغادر أسرع، لنعود للقاهرة للجلوس والحديث عن الأهرامات وحكاية التاريخ، نتناول الغداء ونجلس جلسة لا تنسى بروحانيتها وجمالها، وحين استأذنت بالذهاب.. لم اعد للراحة بل ذهبت لوسط المدينة وجولة على الأقدام ولقاء أصدقاء وعشاء وجلوس على مقاهي شعبية جميلة، حضور معرض في شارع بولاق في قاعة بورتريه لمجموعة من الفنانات بمناسبة عيد الأم، لفت نظري فيه عدة لوحات للفنانة التشكيلية الفلسطينية لطيفة يوسف، ومنها لوحتين شدتا روحي ووقفت مطولاً أمامهما وشعرت أني أقف أمام إبداع متميز لفنانة متميزة، فهنأتها وتمنيت أن يتيح لي الزمن أن أحضر معرض متكامل لها.
السبت وهو عيد الأم كنت أصحو من نومي وصورة أمي لا تفارقني، فترحمت عليها وهي تفارقنا قبل أن يتاح لي الاحتفاء بها بهذه المناسبة، ففتحت حاسوبي المتنقل وقرأت رثائي لها حين كتبت: صباحكم أجمل/ وداعا يا أمي.. وداعا أيتها الياسمينة، فلم أغادر البيت الذي أقيم به حتى الظهر حين تجولت في وسط المدينة وزرت منـزل صديقي أبو أحمد الجمل، الفنان الفلسطيني الذي لم ألتقيه منذ زمن، ومن ثم أعود إلى جروبي في ميدان طلعت حرب للقاء المبدع والصديق الكاتب سيد نجم بجلسة امتدت إلى حوالي الخمسة ساعات لم نشعر بها أبداً، تحاورنا بالكثير من القضايا بها، ليهديني في نهاية اللقاء كتابه الذي يحتوي على روايات قصيرة تحت اسم: "يا بهية وخبريني"، فأمتعني وحلق بروحي بقراءة هذه الجمالية خلال وجودي بالقاهرة التي ما زال لها حديث سأواصله.
أصل لرام الله وأحتضنها بكل الحب والعشق بعد رحلة متعبة زادت عن التسعة ساعات، فالاحتلال يستغل كل مناسبة لممارسة قرفه وإزعاجه للمواطنين، ومع هذا فلن نرحل وسنبقى كالسنديان متجذرين في الأرض، فقبل الهزيمة الحزيرانية لم تكن تأخذ المسافة أكثر من ساعتين مع سائق هادئ، لتصبح الآن تأخذ النهار بكامله، ومع هذا لم أشعر من شدة الشوق لرام الله بالتعب، وحين وقوفنا لساعات فوق الجسر كنت أتأمل نهر الأردن وأستمع لهمساته وحكايته عبر التاريخ، فأصل رام الله وأجول بها رغم إرهاق السفر، وأحضر مساء الاثنين مسرحية مغربية تحمل اسم: "واش فهمتني" للمبدع المغربي عبد الحق الزروالي، حظيت على إعجاب الجمهور، وقبلها معرض كاريكاتير لفنان أجنبي اسمه غي دليل في المركز الثقافي الفرنسي الألماني، وفي مساء الأمس مسرحية المغتربان للمخرج الفلسطيني منير بكري وتمثيل الفنانين إيهاب سلامة وصالح البكري، وهذه المسرحيات جزء من أيام المنارة المسرحية التي يتولاها مسرح وسينماتك القصبة في رام الله والقدس وبيت لحم، أتجول في رام الله بهذه الصباح الباكر، أعانق دروبها والجمال وعبق الياسمين، احتسي وطيفي قهوتنا على شدو فيروز: "يا ربع لي في حماك الغض عِشرة صِبا، غنيت في واحتك الحان حب وصَبا، بنطر علينا من رياضك صَبا عيوني، بذكر ملاهيك يا العشب بيها وَرد، بذكر غدير الهوى بطيب منه وَرد، يا سالب القلب اسمع ما نغني ورِد، ورِد لعيوننا النوم يلي القلب نحوك صَبا"
عدد الرسائل: 791 العمر: 54 الإقامة: رام الله تاريخ التسجيل: 27/02/2007
موضوع: رد: صباحكم أجمل الأربعاء 15 أبريل 2009, 3:44 pm
مبنى تراثي في الدقي أحد أحياء القاهرة
بعدسة: زياد جيوسي
صباحكم أجمل/ سنلتقي يا مصر
يوميات من القاهرة 5
بقلم: زياد جيوسي
ترى هل من السهل أن ينسى الإنسان مصر؟ سؤال كان يجول في خاطري وأنا أستعد للسفر من القاهرة بعد ستة عشر يوماً من زيارتها لأول مرة، فأستعيد ذكريات أيام القاهرة الأخيرة، حين كنت أشعر رغم الفرح والسعادة ببعض من الانقباض النفسي، فساعة الوداع والرحيل قد اقتربت، ورغم كل الفرح في أيامي الأخيرة إلا أن هذا الشعور لم يفارقني، فنـزلت دمعة ألم حين أقلعت الطائرة، كما نزلت دمعة فرح حين تنشقت هواء القاهرة المدينة الحلم، في أول لحظة من اللقاء معها. أجلس في صومعتي في رام الله، أستعيد ذكرى الأيام الأخيرة هناك وجولاتي مع الصديقة الكاتبة بنت النيل، أستعيد جولة جميلة ورائعة في مركب النيل قرب الغروب، وجلسة على مقهى بجوار النيل حتى أن البرد تسلل بقوة لجسدي، وجولة في حديقة الصداقة التي تمتلئ بتماثيل نصفية لأبطال ورموز لشعوب شتى، قُدمت هدية من تلك الشعوب والدول لشعب مصر الرائع، وأستعيد شعور بالفرح وأنا أجول الحديقة التقط الصور وأكتب، فأرى تماثيل الشاعرين الكبيرين أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، فأتذكر بعض من أشعارهم ومداعباتهم الشعرية مع بعض فأبتسم، وأشعر وكأن الابتسامة ترف على شفاه تصاويرهم المنحوتة، أستعيد جولة طويلة في مصر الجديدة وجولة امتدت ساعات على الأقدام، وعشاء جميل في شارع بغداد أصرت الرائعة بنت النيل عليه. أستعيد ذكرى جولات في مدينة الرحاب الجميلة البعيدة، في زيارة الإبنة بيان وأهلها، أتذكر تجربة ركوب قاطرة "المترو" السريعة تحت الأرض، والتي أصابتني بالدوار حين رأيتها أول مرة، بتعداد عرباتها الكبير وسرعتها الهائلة، دقة انتظام وقتها كل خمسة دقائق ورخص بطاقة الركوب، فعلقت أمام من يرافقني: إن كان كل الناس هنا في حافلات المترو تحت الأرض، فمن أين يأتي هذا الازدحام الهائل في شوارع القاهرة؟ فضحكنا معاً، فالقاهرة مدينة ذات مساحة هائلة وتجمع سكاني كبير، أكبر من حجم سكان مجموعة من الدول العربية المتناثرة، أستعيد تجوال في إمبابة وفيصل ومدينة نصر وفي أحياء كثيرة، فالأحبة في القاهرة لم يقصروا أبداً، فكانوا أنموذجاً رائعاً من الطيبة والكرم وحسن الخلق. لعل من أجمل لقاءاتي هناك، هي دعوتي لمبنى الإذاعة وبقائي ساعات امتدت من الواحدة ظهراً حتى السابعة مساءً، بتجوال مع صديقي الإعلامي والمذيع ومقدم البرامج يحي حسن، التقيت بها العشرات من كبار المذيعين والإعلاميين ومقدمي البرامج، وتجولت في العديد من استوديوهات التسجيل، وجلست وتحاورت مع أسماء عرفناها عبر الأثير، فكان لي الشرف أن التقيتهم مواجهة، وأذكر منهم على سبيل المثال وليس الحصر: الأساتذة مصطفى الحسيني مدير عام صوت فلسطين الذي استقبلني استقبال لا ينسى، غريب منصور المدير والإذاعي المعروف، نهلة مصطفى، إيمان الرزاز، زكريا شليل، صلاح حسنين، الفنانة مها عادل، وغيرهم الكثير، كانوا يمثلون صوت العرب وصوت فلسطين وصوت النيل وصوت القاهرة/ البرنامج العام، وسجلت كم كبير من أحاديث تحدثت فيها عن الثقافة والفن والأدب والقدس وفلسطين، فلم يترك أولئك الجهابذة المبدعين شيء لم يحاوروني فيه ويسجلوه، فشعرت أني أحمل معهم فلسطين في رحلتي هذه، فتركوا في روحي من أثار محبة ما لا يمكن أن يُنسى أبداً، ولم تتوقف التسجيلات والمقابلات معي عبر الأيام التالية حتى يوم سفري، تم تسجيل ثلاث لقاءات رغم ضيق الوقت والاستعداد للسفر، لننهي هذه اللقاءات الحميمة مع عشاء رائع في أعلى المبنى في الدور العاشر، في مطعم متميز برقيه وخدمته مطل على النيل كما المبنى الضخم كله، فتعشينا وتحاورت والعزيز يحي حسن، قبل أن يوصلني للقاء رائع آخر مع أصدقاء يسكنون الروح. كانت أيام محدودة قد بقيت لي في القاهرة، وتمكنت القاهرة من أن تسحرني فلم أتمكن من الذهاب للإسكندرية للقاء أصدقائي الكُتاب هناك، أحمد شبلول وجمال شحاتة وحسام عبد القادر ومنير عتيبة والعديد من أصدقاء القلم، ولم أتمكن من السفر للشرقية ولقاء المبدع حسن حجازي، والعديد من المناطق والأصدقاء فيها، تاركاً ذلك للمستقبل وزيارة أخرى، فمن يشرب من نيل مصر لا بد أن يعود من جديد، وإن لم أتوقف في الأيام القليلة الباقية عن التجوال واستكشاف سحر القاهرة، فزرت المكتبات وخاصة مكتبة مدبولي ومكتبة الشروق والمعارف وغيرها كثير، ومقهى ريش الذي تغير عما كنت قد سمعت عنه، لقاء أصدقاء بعضهم ألتقي لأول مرة، فألتقي الرائعة الإعلامية فريدة فاروق والمعروفة باسم فريدة فراولة، في جلسة على النيل، وفريدة من أقدم من عرفت في مصر عبر الشبكة العنكبوتية، وتعاونا معاً في الماضي في مواقعها ومجموعاتها البريدية، حين أنشأت هي مواقع القلوب وأنشأت أنا منتدى رام الله للفنون، فوجدت فيها إنسانة في غاية الرقة والخلق والطيبة، وسهرت وصديقي يحي حسن وأصدقاء من الإعلاميين والمذيعين منهم نبيل مقصود من إذاعة النيل وطارق عبد الفتاح من الإذاعة التعليمية في آخر خميس لي هناك في جولة عبر شوارع القاهرة، والتي أضاعنا فيها الجميل المذيع جلال حسن من البرنامج العام، فأطلقنا على الليلة لقب ليلة جلال، أنهينا الجولة برفقة الأحبة بجلسة شعر مع الشاعر الجميل سيد حسن وأشعاره الجميلة، وحوار أدبي استمر حتى الثالثة صباحاً، وهو شاعر متميز ومذيع ومقدم برامج في صوت القاهرة، لأنهي زيارتي للقاهرة مساء الجمعة في حفل بدار الأوبرا حضرت فيه عرضين الأول: كارمينا بورانا، والثاني بوليدو، وتمتعت غاية التمتع وحلقت روحي بقوة، وذهلت بجمال وسعة وضخامة دار الأوبرا، لأكمل سهرة الوداع مع أصدقائي الإعلاميين يحي حسن وجمال صفطاوي وعشاء في مطعم جميل ومأكولات شعبية مصرية، وأكملنا السهرة والحوار في مقهى شعبي جميل لوقت متأخر من الليل، حيث ودعتهم وكتمت دمعات أرادت أن تسيل، فأغادر القاهرة مساء السبت متوجهاً للمطار مع أحبة أصروا أن يودعوني فيه، كان الصمت سيد الموقف في الطريق المزدحم، فأصعد للطائرة متوجها لعمّان، وأنا أهمس مع دمعة ألم تترقرق: أحبتي.. أصدقائي.. أغادر القاهرة وأترك قلبي فيها، فمن يمكنه أن يعيده لي؟ ولو كتبت كل يوم لما وفيت مصر وأحبتي فيها روعتهم والجمال. صباح الخير يا رام الله ونشاطك الثقافي والفني الذي لم يتوقف منذ عدت، فأتيح لي مواكبة مسرحيات عُرضت في أيام المنارة المسرحية تراوحت في المستوى وفي جمال الأداء، أحتسي قهوتي وحروفي الخمسة لا تفارقني، طيفي يهمس لي: ألا من لقاء آخر مع أحبة القاهرة؟ شدو فيروز يرافقنا وفنجان قهوتنا، فأشدو معها للقاهرة: "يا من يحن إليك فؤادي، هل تذكرين عهود الوداد، هل تذكرين ليالي هوانا يوم التقينا وطاب لقانا، حين الوفا للأغاني دعانا، طاف الجمال على كل وادي، هل تذكرين غداة الورود حلت علينا وطابت عهود، كانت لنا في الغرام عهود، صارت حديث الربا والشوادي".
عدد الرسائل: 1145 العمر: 50 الإقامة: سورية المهنة: موظفة وصحفية الهوايات: القراءة، المشي، والكتابة بكل أشكالها تاريخ التسجيل: 26/06/2007
موضوع: رد: صباحكم أجمل السبت 18 أبريل 2009, 10:59 pm
هوذا زياد جيوسي بكل وفائه وإخلاصه ليس فقط للأشخاص وإنما للأماكن التي تطؤها قدماه فتسبقه روحه لعشقها الخالد.. دمت صديق الروح تهبنا من معارفك وثقافتك ومشاهداتك كل ألق وبهي كطلتك الصباحية الدائمة.
زياد جيوسي مشرف (ة)
عدد الرسائل: 791 العمر: 54 الإقامة: رام الله تاريخ التسجيل: 27/02/2007
موضوع: رد: صباحكم أجمل الإثنين 20 أبريل 2009, 7:54 pm
إيمان أحمد ونوس كتب:
هوذا زياد جيوسي
بكل وفائه وإخلاصه
ليس فقط للأشخاص
وإنما للأماكن التي تطؤها قدماه
فتسبقه روحه لعشقها الخالد..
دمت صديق الروح
تهبنا من معارفك وثقافتك ومشاهداتك
كل ألق وبهي كطلتك الصباحية الدائمة.
وها هي روحك ايمان ترافقني تجوالي في المكان كما رافقتني في دمشق فزرعت الرغبة في العودة من جديد وهي ستكون قريبة فليس أجمل من المكان وخاصة حين يترافق المكان بروح الانسان فيعطيه جمالا وسحرا هكذا كانت دمشق وهكذا كانت القاهرة فشكرا لك متابعتك الرحلة بالروح والحرف دمت بكل الود زياد
عدد الرسائل: 791 العمر: 54 الإقامة: رام الله تاريخ التسجيل: 27/02/2007
موضوع: صباحكم أجمل / همسات - بغداد 1 الأربعاء 24 يونيو 2009, 5:26 pm
مبنى من مباني رام الله التراثية
بعدسة: زياد جيوسي
صباحكم أجمل / همسات
بغداد 1
بقلم: زياد جيوسي
يجاذبني هوى رام الله بقوة هذا الصباح، فأخرج من صومعتي رغم حرارة الجو الغير معتادة أجول في دروبها وشوارعها، في شارع النـزهة حيث الأشجار القديمة العمر التي تروي حكايات وحكايات، البنايات التي ما زالت تحافظ على إرث رام الله منذ طفولتنا ولم يلتهمها غول العمران الحديث إلا في بعض النواحي، ومن هناك إلى شارع البريد أرقب أشجاره القديمة الجميلة، تشدني قرب مدرسة رام الله للبنات شجرتين متقابلتين بلونين جميلين، أصفر غامق وأزرق نهدي جميل، تتساقط أوراقهما حول الجذوع، فأرى الشارع قد تحول إلى سجادة بديعة منقوشة، وكأن الشجرتين في كل مساء تنـزعان ملابس النهار وترتديان ملابس النوم. منذ عودتي في بداية الشهر من عمّان الهوى وأمسيات رام الله الجميلة تشدني، فالمدينة لا تكاد تخلو كل مساء من نشاط فني أو أدبي، مما يعطي للمدينة نكهة خاصة للمهتمين والمتابعين، وتجعل الأمسيات مع النسمات الناعمة تزداد بهجة وفرح رغم عتمة الاحتلال وبشاعته، ورغم حجم المشكلات الداخلية التي تطيل في عمر الاحتلال والغلاء الفاحش الذي سيطر على الحياة وأرهق القدرات المالية للمواطنين. تزداد رام الله جمالا يوماً بعد يوم، يزداد عشقي لها فتهمس لي: أخشى عليك من عشقي وحبي، فأبتسم وأهمس لها: لا تخشي عليّ من الحب، فهو الذي يسري في روحي وفي شرايين دمي، وقصة حبنا التي تمتد عبر عصور لا يمكنها إلا أن تستمر، فلقائنا بعد طول رحلة البحث والغياب أشعل الحب الذي لم يتوقف من جديد، فأصبحت رام الله في قلبي برعم ياسمين عطري جميل، لا يتوقف عن بث طيبه وجماله في روحي رغم قسوة الحب أحياناً. منذ أن كتبت سلسلة حلقات من صباحكم أجمل عن القاهرة وزيارتي لها لم أكتب من جديد صباحات أخرى، فقد شدتني المعارض الفنية والنصوص الأدبية للكتابة عنها، إضافة لانشغالي بكتابي فضاءات قزح الذي سيصدر عن دار فضاءات في عمّان قريباً، والاستعداد لإصدار كتابي أطياف متمردة والذي يحوي بعض من نصوص باحت بها روحي عبر سنوات طويلة، ولم أنشر منها إلا القليل، فقد كنت أنتظر أن تأتي ملكة سبأ لتفتح القمقم وتنثر الأطياف في فضاء الكون، لكني في هذا الصباح الحار النسمات وشوق ينازعني بقوة بين رام الله وعمّان، تعيدني الذاكرة لفترة أوائل السبعينات من القرن الماضي ومغادرتي دمشق إلى بغداد للدراسة الجامعية، ولم يكن بتلك الفترة من خط طيران يسهل السفر، فركبت مع بعض الزملاء الذين تعرفت عليهم حافلة مغلقة اجتازت بنا البراري والصحراء في رحلة طويلة من دمشق إلى بغداد، كانت طريق قديمة متعبة، والرحلة طويلة جدا لشخص لم يعتد السفر الطويل، فأبعد مسافات عرفتها كانت بين دمشق وبيروت وعمّان، وهي مسافات كان يتم اجتيازها بأوقات قصيرة، أما رحلة بغداد فقد تجاوزت الثمانية عشر ساعة حتى وصلنا إلى ميدان الصالحية في بغداد، ومن هناك نقلنا سائق أجرة لفندق في ساحة الميدان قال لنا أنه مناسب لنا، وحين وصلنا الفندق كنا في غاية الإرهاق والوقت يقارب الفجر فنمنا بدون وعي حتى العصر، وحين صحوت وجدت نفسي في فندق غير مناسب إطلاقاً فقررت المغادرة إلى مكان آخر بمجرد أن أتعرف للمدينة، وحين خرجت لشرفة الفندق المطلة على الميدان، رأيت لأول مرة في حياتي قبة مسجد مغلفة ببلاط خزفي (سيراميك) بلون أزرق متدرج وأبيض، شدني جماله بقوة وبدأت أتأمل ملامح البنيان من الطوب الرملي الذي لم نعرفه من قبل، فعمّان ورام الله مدن مبنية بالحجر الجميل الأبيض. أخذت حماماً بالماء الذي كنت قد ظننته بارداً، لكن حرارة الجو جعلته حاراً رغم أننا في تشرين، وغادرت الفندق للتعرف على المدينة التي ارتبطت بالذاكرة عبر القراءة والشعر، كنت أشعر بالجوع الشديد فدخلت في بداية شارع الرشيد إلى مطعم لأواجه مشكلة اختلاف اللهجة، فعلاقتي باللهجة العراقية لم تتجاوز سماع أغنيات ناظم الغزالي وعبد الجبار الدراجي التي كان يبثها التلفاز الأردني في فترة تأسيسه في نهاية ستينات القرن الماضي، وحين عرض النادل ما لديهم لم أفهم شيئاً، فطلبت أسماء أعجبتني بدون أن أعرف ماذا تعني، فطلبت (تكة) وطلبت (تِمن) لأفاجئ بطبق من الأرز وطبق من اللحم المشوي، فضحكت وأخرجت دفتراً صغيراً وسجلت الأسماء الجديدة حتى لا أنسى مرة أخرى، وأقع في مطب اللهجات المختلفة بين قطر عربي وآخر، وغادرت لأتجول في شارع الرشيد وأنا أشعر أني أتنسم عبق التاريخ وأتذكر محبوبة تركتها خلفي وروحها ترافقني، حتى وصلت ساحة التحرير فتجولت فيها، أذهلني نصب الحرية للفنان جواد سليم، ولعل هذه اللمحات الأولى للمدينة بين الخزف ونصب الحرية ونصب الشهداء في ساحة الطيران للفنان فائق حسن، كانت البدايات في بداية اهتمامي بالفن التشكيلي عبر السنوات اللاحقة. عدت للفندق بعد جولة طويلة في مدينة ترسخت في الذاكرة عبر القراءة والدراسة، مدينة شعرت بها تسكن الروح من البدايات فصرت أخاطبها بلقب معشوقتي العربية السمراء، استعد لبرنامج اليوم التالي من تسجيل في الجامعة وترتيب مسائل الإقامة والسكن، التعرف على شعب طيب ورائع ومدينة عظيمة، سيكون لها في حديث الذاكرة الكثير في المستقبل. أعود لصومعتي أحتسي القهوة مع طيفي الذي لا يفارقني، أرسم الأمل والفرح في نفسي، مع فنجان القهوة وصحف الصباح وفيروز تشدو: (كنا نتلاقى من عشية ونقعد على الجسر العتيق، وتنـزل على السهل الضباب، تمحي الندى وتمحي الطريق، ما حد يعدي بمطرحنا، غير السما وورق تشرين، ويقلي بحبك ويهرب فينا الغيم الحزين، يا سنين إلي راح ترجعيلي، ارجعيلي شي مرة ارجعيلي، وانسيني عا باب الطفولة، تا أركض بشمس الطرقات، ورديني ضحكاتي إلي راحوا، يلي بعدها بزوايا الساحات).
عدد الرسائل: 1145 العمر: 50 الإقامة: سورية المهنة: موظفة وصحفية الهوايات: القراءة، المشي، والكتابة بكل أشكالها تاريخ التسجيل: 26/06/2007
موضوع: رد: صباحكم أجمل الجمعة 03 يوليو 2009, 5:13 am
جميلة ورائعة ذاكرتك زياد بما تحمله من آهات تئن بها الروح لاسيما عندما يكون الحديث عن بغداد قلعة الأسود وكيف صارت خرابةً تعيث فيها الطائفية والمللية فساداً وفجورا دمت صديق الروح تمتّع الروح بجماليات المدن.