صباحكم أجمل أذكر الأيام
صباح آخر بعد يومي عطلة
أصحوا مبكرا كالعادة بعد أن مارست كسل العطلة في اليومين الماضيين
في الخامسة صباحا كنت قد صحوت
أشعلت سخان الماء فالجو ما زال باردا
وتذكرت كيف كنت قبل سنوات لا اعرف الماء الساخن والدافئ في الصباح
في أيام البرد القارص كنت آخذ حمام الصباح بالماء البارد
ولكن يظهر للسن أحكامه
أصلي الفجر واقرأ بعض من آيات الذكر
ففي قراءة القرآن في الفجر أشعر براحة عميقة في الروح
بعدها أقرأ في رواية لكويلو باولو
فأتذكر صديقي الشاعر والكاتب عبد السلام العطاري
حين قال لي يا عاشق كويلو
فصححت له قائلا: أدب كويلو يا عطاري وضحكنا سويا
أشرب كوبا من الشاي الأخضر بالنعناع أحضرته لي صديقة من المغرب
هذه العادة التي اكتسبتها من أصدقائي المغاربة
فاشعر بالمتعة في ممارستها وخاصة بعد أن حرم على الأطباء القهوة
في السادسة أخرج وحيدا للمدينة لأقوم بجولتي الصباحية
ترافقني روح طيفي الجميل
فرام الله تنتظرني كل صباح
لنمارس معا بعض من العشق الخاص
عشق المكان والذوبان في لحظات عشق صوفية
أجول شارع السهل الهادئ الجميل متأملا في طريقي أشجار الصنوبر الضخمة التاريخية
وكالعادة أقف متأملا شجرة الكينا التي تضرب عميقا جذورها في الأرض
راوية تاريخ المدينة وشاهدة على سنوات طويلة من عمرها
ومن هناك صاعد إلى قلب المدينة الهادئة في الصباح
متجولا في العديد من الشوارع متأملا الهدوء
الذي يصر سائق مزعج على تشويهه بإطلاق بوق سيارته بلا سبب ولا معنى
وعلى الجدران كالعادة ما زالت الملصقات تصر أن تحتل الجدران
فمن ملصق شهيد إلى ملصق أسير
إلى صورة لزعيم تنظيم ينظر من عل وكأنه حرر القدس
وما زالت قضية تشويه جدران المدينة قائمة
رغم كل المناشدات بأن توضع الملصقات في أماكن خاصة
علما أن التنظيمات التي تمارس هذا الدور ممثلة في غالبيتها في المجالس البلدية
ولكن...لا حياة لمن تنادي
*****
الخميس كان يوم المرأة العالمي
كالعادة احتفالات ومسيرات هنا وهناك
وفي المساء كنت أتوجه سيرا على الأقدام إلى قصر رام الله الثقافي
لأحضر فليما عن نضال المرأة في أفريقيا
"أخوات في القانون" تحت إشراف مؤسسة شاشات
لأصطدم بالحجم المتواضع للحضور وبرودة القاعة الشديدة
رغم الحملة المكثفة للإعلان المسبق
وكأن الضيق العام من الأوضاع وصل إلى درجة الانعزال حتى عن المتابعات الفنية والثقافية
حتى أني بت ألمس الكم المتواضع من الحضور في المسيرات والاحتجاجات والاحتفالات
بكافة أشكالها وصورها
واليوم وفي الثانية عشرة ظهرا ستنطلق مسيرة أخرى
احتجاجا على قرار وزارة التربية والتعليم بإعدام كتاب تراثي اسمه قول يا طير
ألفه الدكتور شريف كناعنه والدكتور إبراهيم مهوي
تحت حجة أن الكتاب يحتوي ألفاظا خادشة للحياء
فأضحك من هكذا تبرير لا منطق له
وأتساءل ؟؟ الم يقرأ السادة الكرام كتب التراث التي وصلتنا من فترات الحضارة الإسلامية والعربية من كتب كألف ليلة وليلة وغيرها
التي قام العالم كله بترجمتها نقلا عن لغتنا
أم أننا في القرن الحالي نعيش عهد محاكم التفتيش وإعدام الكتب
ولربما سيليها إعدام الكتاب
ولعل أجمل ما قرأت احتجاجا على القرار ما كتبته الأخت نهلة قورة
أمينة مكتبة رام الله العامة
والتي أطلق عليها لقب ذاكرة رام الله الحية
حين كتبت تقول
"طالعتنا الصحف اليومية نبأ إعدام كتاب فذهلت للوهلة الأولى.. لما يتم إعدام كتاب تراثي... كتاب يحكي قصصنا ونحن أطفال... أتذكر جدتي وعمات والدي وهم يحكون لنا هذه القصص في أيام الشتاء... شتاء رام الله القاسي ونحن نجلس حول كانون النار ونحمص الخبز والجبنة البيضاء... كنا نسهر حتى نسمع القصة بكاملها ونذهب للنوم... نشأنا وترعرعنا على هذه القصص التراثية: نص نصيص... وبقرة اليتامى ... وقصص أخرى. كم فرحت عندما صدر كتاب "قول يا طير" اشتريت نسختين للمكتبة العامة ونسخة لمكتبتي.
أعرف مؤلفي الكتاب الدكتور شريف كناعنه والدكتور إبراهيم مهوي..انه قريب لنا حضر قبل عامين إلى مكتبة رام الله العامة وسأل عن الكتاب... أخبرته بأنه موجودا ضمن محتويات المكتبة... الكاتب إبراهيم يعشق مدينته رام الله ينتقل بين عدة دول، يُدرّس في جامعاتها، التقيته في تونس، كان منزله في المرسى وهو يدرس في الجامعة التونسية ثم ذهب إلى بريطانيا ليدرس هناك ودرّس بجامعات عربية أخرى.
جمعوا القصص من أفواه جداتنا وأمهاتنا... فإعدام هذا الكتاب إعدام للجدات والأمهات، وإعدام للتراث الذي نعتز ونفتخر به.
لنوقف كل الأيدي التي تنادي بإعدام الكتاب وطمس التراث لأن أمة بلا تراث أمة بدون تاريخ وحضارة"
*****
أعود لصومعتي بعد أن أحضرت صحيفة الصباح وتصفحتها جالسا على حافة جدار في شارع الإرسال الجميل
متمتعا بنسمات الصباح الباردة القادمة من بحرنا السليب
افتح نوافذ صومعتي
أتأمل الشارع وأحواض أزهاري وحوض النعناع الأخضر
أقتلع أعشاب طفيلية تسللت بين نباتاتي الجميلة
أقول لنفسي
ترى لو تمكن الأجداد من اقتلاع الطفيليات التي تسللت بينهم
هل كنا سنكون تحت الاحتلال اليوم
أفتح بريدي فأفاجئ برسالة من قارئة مجهولة تقول فيها
"مساؤك أجمل
حين كانت الطائرة تعبر الأجواء الفلسطينية وتحلق فوق
القدس
شعرت بكل حزن العالم..أحسست بكل خزي الدنيا
انقبض قلبي واستسلمت للكآبة
شعور يتملكني في كل رحلة تقلني إلى عمان
أنسى من ودعت ومن سأحضن
وابدأ في العد العكسي لسنوات مرت ونحن ننتظر ؟؟؟
وأتذكر كلماتك في صباحكم أجمل
وأنت تجول شوارع رام الله وأزقة القدس وحارات يافا
فيدب الحنين لتقبيل تراب أرض المحبة
وصوت فيروز يحترف الحزن والانتظار..
اليوم
قرأت حنينك إلى عمان والطفولة..
الشام..قاسيون..الحميدية..الصالحية
بغداد الأدب والعلم
قلت أنا سورية الأصل..عمان مسقط راسي..بغداد
المنصور والاعظمية أخذت من عمري ذكرى وأيام حلوة ومرة
ربما من اجل ذلك كله
أعجبت في مقالاتك وكتاباتك
فأنت تعيش في جحيم الرفض
وأنا لا املك سوى الثورة الداخلية"
أبتسم بفرح طفولي
فما زال حلمنا بالوحدة العربية قائما
تضمنا مشاعر متأججة وهم واحد من المحيط للخليج
فأترنم بهدوء بأنشودة كنا ننشدها ونحن طلبة صغار كل يوم في طابور الصباح
بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان
ومن نجد إلى وطن إلى مصر فتطوان
فشكرا لك أيتها العروبية الحرة فقد جددت الأمل في روحي
*****
صباح آخر يا وطني ونحن ننتظر مخاض حكومة الوحدة الذي طال
والحديث عن إنجاز الاتفاق على 99% من القضايا كما قال السيد الرئيس
لكني ما زلت أخشى هذا الرقم
وأخشى أكثر الواحد بالمائة المتبقي
فلهذا الرقم في الذاكرة الكثير من الألم
منذ كان رقم الفوز بالانتخابات الوهمية للزعماء العرب
ومنذ سلمت أوراق قضيتنا للولايات المتحدة
تحت دعوى أنها تمتلك 99% من أوراق الحل
*****
صباحك أجمل يا حبيبتي
وأنت لا تفارقي تلافيف الذاكرة وخلايا القلب
أحلق معك بروح متجددة كل صباح
نستمع لشدو فيروز
أذكر الأيام يا حلو الهوى في حنايا الغافي عند الجدول
حين كنا والهوى حلو الغوى
نتشاكى في حنين القبل
ضمنا الليل على بوح طوى
كلما في قلبنا من غزل
فأنا إن اشتكي ظلم النوى
لا تلمني يا حبيبي أشتكي
صباحكم أجمل
زياد جيوسي
رام الله المحتلة 1032007