قراءة في قصيدة "أبحث عن قمة أرى منها العالم…" لمعين حاطوم
[size=21]يَرْقُدُ اٌلإدْراكُ[/size] في أيْكِ اٌلحَيْرَةِ
لا يُدْرِكُ أنَّهُ يَتَأرْجَحُ
بَيْنَ اٌلوَهْمِ اٌلضَّارِبِ عِرْضَ اٌليَقيْنِ
وَبيْنَ اٌلعِرْفانِ اٌلضائعِ
في غاباتِ اٌلغيْبِ
اٌلمُحْتَجِبَةِ عَنْ بَصائِرَنا.
يَرْقُدُ يَتَثاءَبُ وَيَتَمطَّى
يَودُّ أنْ تُعانِقَهُ إغْفاءَةٌ قَصيْرَةٌ
يَحْلَمُ بِها …. بِعَروْسِ اٌلبَقاءِ
تَأْتي إليه مُتَلهِّفَةً
تُطارِحُهُ بِحَلالٍ نَقيٍّ
أيْكًهُ اٌلمُخْمَليِّ
فَيوْلَدَ اٌلحُبُّ اٌلأعْظَمُ
يوْلَدُ اٌلحاسوْبُ اٌلأعْظَمُ
يوْلَدُ كَمالُ اٌلإدْراكِ اٌلمُتَناهي بِكَمالِهِ…َ!
أرْقُدُ في سَريْرِ اٌلوِحْدَةِ
أتَحاشَى وابِلَ اٌلدَّهْشَةِ
كَيْ أهْجَعَ
كَيْ أرْتاحَ مِنْ عَناءِ اٌلجَّهْلِ
اٌلرّاقِصِ عَلى مَسْرَحِ عَقْلِنا اٌلكوْنيِّ.
أغْمِضُ عَيْنيَّ بإصْرارِ مَعْتوْهٍ
كَيْ لا أرَى أيَّ بَصيْصِ ضَوْءٍ
يُذكَّرُني بِصحْوَتي اٌلنَّاقِصَةِ
المُتَقاعِسَهِ عَنْ كُلِّ كَنَهٍ وَكُلِّ جَوْهَرٍ.
أتَقَلَّبُ في حَيْرَتي اٌلتّاَئِهَةِ
عَنْ مَنابِعِ اٌليَقيْنِ اٌلأدْنَى
فَأتَصدَّعَ مِنْ هَذا اٌلظَّمأُ اٌلقاسِيَ
أتَشظَّى مِنْ هَذا اٌلجّفافِ
اٌلَّذي عَمَّرَ
وَما تَوانَىَ عَنِ اٌلإمْعانِ
في اٌلتّخثُّرِ واٌلتَّجْمُّدِ واٌلتَّحجُّرِ
أتأبَّطُ حُنْكَتي اٌلمعاقَةِ
أدَاعِبُها
أدغْدِغُ رِكوْدَها اٌلخَاويِّ
عَلَّها تَأْتي بِجَديْدٍ
غَابَ عَنْ فِطْنَتي اٌلجَّياشَةِ
عَلَّها تَخْتَرِقَ هَذا اٌلتّذاكي اٌلكَوْني
في اٌلتَّستُّرِ واٌلتَّخفِّي
عَنْ مآقيْنا اٌلمُحدِّقَةِ
بِبَواطِنِهِ اٌلمَعْرَّفَةِ
والمَعْرِفَةُ مَتَاهَةٌ لِليَقيْنِ
قَالَ اٌلعارِفُ لَخِريْطَةِ جَهْلِنا
اٌلمُمْتَدَّةُ مِنَ اٌلأبَدِ إلى اٌلأبَدِ:
أقَاصِي أقَاصي اٌلمَعْرِفَةِ
ضَيَاعُنا في مَفازاتِ اٌلجَّهْلِ
فَأقْلعْ يا هَذا
عَنْ شَهْوَتِكِ اٌلرَّائِبَةِ
في جِحوْرِ اٌلبَحْثِ واٌلتَّنْقيْبِ
فَلَنْ تَجِدَ إلا ما أنتَ فَاعِلٌ
لَنْ تَرَى سِوَى ما تَرى
لَنْ تَصِلَ إلى مَكان لَسْتَ بِهِ
ألْكوْنُ فِعْلٌ وَصيْروْرَةٌ
ألكوْنُ روْحٌ وَحَيَويَّةٌ
انْدِفاعٌ
إخْتِراقٌ لِلْغيْبِ
إحْتِلالٌ لِلْفَناءِ
إنَّهُ خَارِجٌ عنْ زَمَكانِكُمُ (زمان+مكان)
خَارِجٌ عَنْ اٌخْتِيَارِكُم واٌعْتِبارِكُم
إنَّهُ مَسيْرَةٌ يَقْظَةٌ
هَبَّةٌ انْتِشارٌ
امْتِدادٌ
عاصِفة….عاصِفة…
أرتَقيَ بِهذا اٌلإحْباطِ
أتَسلَّقُ قِمَمَاً ما عَرِفُها أحَدٌ
أرَى دِياراً ما رآها أحَدٌ…
أُصوِّبُ نَظَري نَحْوَ غَياهِبِ اٌلزَّمَنِ…
هُناكَ ….هُنَاكَ قِمَّةٌ…
أرَى مِنْ فَوْقِهَا هَذا العالمَ….
لقد ترددت وتهيبت كثيرا قبل إقدامي على هذه القراءة الناقدة لقصيدة شاعرنا وفيلسوفنا وأديبنا معين حاطوم. وأصدقكم القول بأنني قرأتها عدة مرات قبل إعمالي الفكر في التحليل، لأستزيد من تذوق جمالياتها الفكرية والأدبيّة، وأستمدّ بعض الجرأة والإقدام. ثم وجدت نفسي أقسمها إلى ستة أقسام رغم تواجدها حول هذا الجدول السرياني الموحِّد الذي نتتبعه من منبع القصيدة إلى مصبها.
يَرْقُدُ اٌلإدْراكُ في أيْكِ اٌلحَيْرَةِ
لا يُدْرِكُ أنَّهُ يَتَأرْجَحُ
بَيْنَ اٌلوَهْمِ اٌلضَّارِبِ عِرْضَ اٌليَقيْنِ
وَبيْنَ اٌلعِرْفانِ اٌلضائعِ
في غاباتِ اٌلغيْبِ
اٌلمُحْتَجِبَةِ عَنْ بَصائِرَنا.
من متطلبات الفلسفة، أو من نتائجها -لا أدري- هو أن المفكر المتأمّل يجد نفسه يفكر في التفكير (الميتاغوغنيشن)، وأعتقد أن شاعرنا كان في هذه الحالة على مدى القصيدة، لقد كان في حالة فوق إدراكية، ليرصد الإدراك منْ عَلٍ فيجده راقدًا في أيك الحيرة هنا يعبر الشاعر بشكل مكثف وجميل عن حالة تواجه الإدراك البشري، وهي حيرته بين الشك واليقين، لكن ما يزيد الأمر صُعوبَةً هو أن الوهم يبعدنا عن اليقين الذي من المفروض أن يكون في متناولنا، كما أن العرفان محتجب عن بصائرنا،وكلمة يرقد لها دلالة الخمول والتقاعس والنوم والسلبيّة، والمدهش في الجملة أن الشاعر جعل الإدراك لا يدرك تأرجحه وهذا سبب حيرته.
يَرْقُدُ يَتَثاءَبُ وَيَتَمطَّى
يَودُّ أنْ تُعانِقَهُ إغْفاءَةٌ قَصيْرَةٌ
يَحْلَمُ بِها …. بِعَروْسِ اٌلبَقاءِ
تَأْتي إليه مُتَلهِّفَةً
تُطارِحُهُ بِحَلالٍ نَقيٍّ
أيْكًهُ اٌلمُخْمَليِّ
فَيوْلَدَ اٌلحُبُّ اٌلأعْظَمُ
يوْلَدُ اٌلحاسوْبُ اٌلأعْظَمُ
يوْلَدُ كَمالُ اٌلإدْراكِ اٌلمُتَناهي بِكَمالِهِ…!
غاية الإدراك هو بلوغ تناهي الكمال، وأعتقد أن عمر الإنسان المحدود، هو أحد العقبات أمام بلوغ هذا التناهي في الكمال، ولا عجب إذن أن يحلم الشاعر بعروس البقاء التي تمنحه مساحة زمنية لبلوغ الغاية. واللجوء إلى الحلم هنا فيه مخرج من الحيرة التي تواجه الإدراك، فالأحلام كثيرًا ما تعبر عن تفكير الإنسان الرغبويّ، فتحدث بعض التوازن النفسيّ، ومن يدري؟ قد يأتي الحلم ببارقة الإلهام الحامل بالحب الأعظم (الإدراك المتناهي بكماله).
أرْقُدُ في سَريْرِ اٌلوِحْدَةِ
أتَحاشَى وابِلَ اٌلدَّهْشَةِ
كَيْ أهْجَعَ
كَيْ أرْتاحَ مِنْ عَناءِ اٌلجَّهْلِ
اٌلرّاقِصِ عَلى مَسْرَحِ عَقْلِنا اٌلكوْنيِّ.
أغْمِضُ عَيْنيَّ بإصْرارِ مَعْتوْهٍ
كَيْ لا أرَى أيَّ بَصيْصِ ضَوْءٍ
يُذكَّرُني بِصحْوَتي اٌلنَّاقِصَةِ
اٌلمُتَقاعِسَهِ عَنْ كُلِّ كَنَهٍ وَكُلِّ جَوْهَرٍ
أتَقَلَّبُ في حَيْرَتي اٌلتّاَئِهَةِ
عَنْ مَنابِعِ اٌليَقيْنِ اٌلأدْنَى
فَأتَصدَّعَ مِنْ هَذا اٌلظَّمأُ اٌلقاسِيَ
أتَشظَّى مِنْ هَذا اٌلجّفافِ
اٌلَّذي عَمَّرَ
وَما تَوانَىَ عَنِ اٌلإمْعانِ
في اٌلتّخثُّرِ واٌلتَّجْمُّدِ واٌلتَّحجُّرِ
نستشعر في الجمل الشعرية السّابقة استياء الشاعر إلى حد إصراره على طلب الهجوع ليستريح. وهذا غير مستغرب من شاعر وأديب وفيلسوف يأنف من الجهل، فالإمعان في الدهشة يزيد من القطبية وشعورنا بالعجز، والجهل هو أحد نتائج العجز، كما أنَّ الضوء هنا يفضح صحوتنا الناقصة، كاللون الأبيض الناصع عندما يضعونه بمحاذاة لون داكن، فيبدو داكنًا أكثر لكنني أعتبر كلمة "متقاعسة" عجلة إنقاذ، لأننا من يختار تقاعسنا، وإذا اخترنا نقيضه فقد تكتمل الصحوة فنصل جوهر الأشياء.
في هذه الجمل، انتقل الشاعر إلى استعمال الضمير المتكلم، وهي تقنية أعتقد أنه لجأ إليها لكي يصبح أكثر فاعلية، بمعنى محاولة الخروج من السلبية والركود الذي يتمثل في التّخثّر والتجمد والتحجر. ومحاولة الوصول إلى "منابع اليقين الأدنى" علها تنقذه من "الظمأ القاسي".
أتأبَّطُ حُنْكَتي اٌلمعاقَةِ
أدَاعِبُها
أدغْدِغُ رِكوْدَها اٌلخَاويِّ
عَلَّها تَأْتي بِجَديْدٍ
غَابَ عَنْ فِطْنَتي اٌلجَّياشَةِ
عَلَّها تَخْتَرِقَ هَذا اٌلتّذاكي اٌلكَوْني
في اٌلتَّستُّرِ واٌلتَّخفِّي
عَنْ مآقيْنا اٌلمُحدِّقَةِ
بِبَواطِنِهِ اٌلمَعْرَّفَةِ
والمَعْرِفَةُ مَتَاهَةٌ لِليَقيْنِ
هنا يكف الشاعر عن مجرد الاستياء والتذمر، ويحاول الخروج من القوة إلى الفعل، فيغير خطابَهُ الذي لم يأتِ بالنتيجة المرجوّة، باللجوء إلى طريقة أخرى تسمى في علم النفس (ديسونانس كوغنيتيفي)، فعندما نقول للبخيل: "يا لك من كريم" فقد يزعزع هذا القول فكرته عن نفسه، ويبدأ برؤية نفسه بمنظار جديد، وهذا ما جعل الشاعر "يتأبط حنكته المعاقة" ويسايرها و"يدغدغ ركودها الخاوي علها تأتي بجديد"... فهو لا ينشد ما عرف من بواطن الأمور، بل ينشد اليقين المطلق.
قَالَ اٌلعارِفُ لَخِريْطَةِ جَهْلِنا
اٌلمُمْتَدَّةُ مِنَ اٌلأبَدِ إلى اٌلأبَدِ:
أقَاصِي أقَاصي اٌلمَعْرِفَةِ
ضَيَاعُنا في مَفازاتِ اٌلجَّهْلِ
فَأقْلعْ يا هَذا
عَنْ شَهْوَتِكِ اٌلرَّائِبَةِ
في جِحوْرِ اٌلبَحْثِ واٌلتَّنْقيْبِ
فَلَنْ تَجِدَ إلا ما أنتَ فَاعِلٌ
لَنْ تَرَى سِوَى ما تَرى
لَنْ تَصِلَ إلى مَكان لَسْتَ بِهِ
ألْكوْنُ فِعْلٌ وَصيْروْرَةٌ
ألكوْنُ روْحٌ وَحَيَويَّةٌ
انْدِفاعٌ
إخْتِراقٌ لِلْغيْبِ
إحْتِلالٌ لِلْفَناءِ
إنَّهُ خَارِجٌ عنْ زَمَكانِكُمُ (زمان+مكان)
خَارِجٌ عَنْ اٌخْتِيَارِكُم واٌعْتِبارِكُم
إنَّهُ مَسيْرَةٌ يَقْظَةٌ
هَبَّةٌ انْتِشارٌ
امْتِدادٌ
عاصِفة….عاصِفة…
في هذه الجمل ألمس بعض المصالحة مع النفس، وبعض التسليم بالأمر الذي هو غير الاستسلام،" أقَاصِي أقَاصي اٌلمَعْرِفَةِ ضَيَاعُنا في مَفازاتِ اٌلجَّهْلِ" التسليم هنا جاء بعد بارقة إدراكية جعلت الشاعر يتفهم الطبيعة البشرية ويتقبل محدوديتها، فللبشر شؤونهم، وللكون الخارج عن زمكانهم شأن آخر. والكون هو شيء نامٍ.. متحرك.. متغيّر.. غير خامل " ألْكوْنُ فِعْلٌ وَصيْروْرَةٌ \\\\\\\\ألكوْنُ روْحٌ وَحَيَويَّةٌ"
"إنَّهُ مَسيْرَةٌ يَقْظَةٌ\\\\\\\\ هَبَّةٌ انْتِشارٌ\\\\\\\\ امْتِدادٌ\\\\\\\\ عاصِفة….عاصِفة…"
أرتَقيَ بِهذا اٌلإحْباطِ
أتَسلَّقُ قِمَمَاً ما عَرِفُها أحَدٌ
أرَى دِياراً ما رآها أحَدٌ…
أُصوِّبُ نَظَري نَحْوَ غَياهِبِ اٌلزَّمَنِ…
هُناكَ ….هُنَاكَ قِمَّةٌ…
أرَى مِنْ فَوْقِهَا هَذا العالمَ…
لقد أصغى الشاعر إلى صوته الآخر "العارِفُ لَخِريْطَةِ جَهْلِنا اٌلمُمْتَدَّةُ مِنَ اٌلأبَدِ إلى اٌلأبَدِ" فوصل إلى قناعاته الجديدة التي أفضت به إلى الوصول إلى قمة يرى من فوقها هذا العالم. وما الارتقاء بالإحباط إلا جراء المصالحة مع النفس البشرية والبدء بتقبلها.
وبعد، إنها قصيدة غاية في الإبداع والإدهاش، تدعونا إلى مرافقة الشاعر في رحلته الإدراكية، وتتدرج بنا معه من وهاد الركود المفضي إلى اليأس والتذمر إلى قمة يرى من فوقها العالم، في لغة ليست مستهجنة، على من يقرأ لمعين حاطوم. إلاّ أنني أعترف أن القصيدة بدأت في إبهاري على الصعيد الفنيّ والأدبي بدْءًا من السطر " أتَقَلَّبُ في حَيْرَتي اٌلتّاَئِهَةِ" وإلى النهاية، ففي نظري أصبحت الجمل من هذا الموضع أكثر شاعرية، قصرها جعلها أكثر إيقاعية وتكثيفًا. خاصة الجمل المحصورة بين " قَالَ اٌلعارِفُ لَخِريْطَةِ جَهْلِنا" وحتّى " عاصِفة….عاصِفة…" ففيها تكمن الدهشة كونها جاءت ملائمة لهذا الانفجار الفكري المنساب والدفاق.
في مواضع أخرى من القصيدة هنالك جمل فيها بعض المبالغة في الطول، نحو:
" لا يُدْرِكُ أنَّهُ يَتَأرْجَحُ
بَيْنَ اٌلوَهْمِ اٌلضَّارِبِ عِرْضَ اٌليَقيْنِ
وَبيْنَ اٌلعِرْفانِ اٌلضائعِ
في غاباتِ اٌلغيْبِ"
اٌلمُحْتَجِبَةِ عَنْ بَصائِرَنا"
ورغم ما فيها من تمكن لغويّ ونسيج له خصوصيته إلا أنه بإمكان الشاعر الإتيان بنفس الفكرة في جمل اقل إطنابًا فكون القصيدة من نوع الشعر النثريّ لا يبيح لنا التنازل عن الإيقاعية الشعريّة. كما أن طول الجمل يقدم المعنى إلى المتلقي على طبق من الفضة، فيصبح قارئا سلبيًّا، في حين تدعو التيارات الأدبية الحديثة إلى جعل القارئ إيجابيًّا، إلى حدّ تعبئة بعض فضاءات النصّ أحيانًا.
وفي الختام، لا يسعنا إلاّ أن ننحني أمام هذه الموهبة التي أنعم بها الخالق على الساحة الأدبيّة. موهبة لها بصمتها الخاصّة، بحيث قد يكتب "معين حاطوم" نصًّا بدون توقيع، فنعرف أنه هو من كتبه. ولا يسعنا إلا أن نفخر بهذا الإنسان دائم النزوع إلى التجريد والإدراك والسّموّ.